محمد فتاح
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، بدأت ملامح المشهد السياسي تتضح شيئا فشيئا، وأصبح الحديث عن المرشحين والأحزاب والوجوه الجديدة والقديمة حاضرا بقوة في المقاهي والأسواق والشارع، بل وحتى في جلسات العائلة.
في المقاهي، حيث لا تحتاج السياسة إلى ميكروفون ولا إلى منصة، يدور نقاش مختلف تماما عن لغة البيانات الحزبية. المواطن العادي لا يسأل كثيرا عن الشعارات، بقدر ما يسأل: من سيحضر بعد الانتخابات؟ ومن سيستمع إلى الناس؟ ومن سيبقى قريبا من المنطقة بعدما تنتهي الحملة الانتخابية؟
وهنا بالضبط تكمن المفارقة.
فكل موسم انتخابي يحمل معه وعودا جديدة، ووجوها جديدة، وخطابات تعِد بالتغيير. لكن المواطن، الذي راكم تجارب متعددة، أصبح أكثر حذرا وأقل استعدادا لتصديق الكلام وحده. فهو يريد أن يرى العمل قبل التصفيق، وأن يلمس النتائج قبل أن يمنح ثقته.
الوجوه الجديدة تدخل المنافسة وهي تحمل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد، خصوصا إذا جاءت بأفكار مختلفة وبخطاب قريب من الناس. لكن الجديد لا يصبح جديدا بمجرد تغيير الاسم أو الصورة في الملصق الانتخابي؛ الجديد الحقيقي هو أن يأتي المرشح بعقلية مختلفة، وبقدرة على الإنصات والعمل والترافع عن قضايا المنطقة.
أما الوجوه القديمة، فستجد نفسها أمام امتحان أكثر صعوبة. سنوات الحضور السياسي لا تكفي وحدها للحصول على ثقة الناخب، لأن المواطن اليوم يسأل عن الحصيلة: ماذا تحقق؟ ماذا تغير؟ وأين كانت الوعود عندما كانت صناديق الاقتراع مغلقة؟
وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو صاحب الكلمة الأخيرة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن تتحول الانتخابات من مجرد صراع حول المقاعد إلى منافسة حقيقية حول البرامج والأفكار والكفاءات. فالمناطق لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى من يدافع عن طرقها، ومدارسها، ومراكزها الصحية، وفرص شغل شبابها، ومشاكل جماعاتها وقراها ومدنها.
في النهاية، الانتخابات ليست موسم صور ولا مناسبة لتوزيع الوعود. إنها لحظة يختبر فيها المواطن صدقية من يطلب صوته.
والرسالة واضحة: هذه المرة، لن يكفي أن تقول للناس “ثقوا بي”… بل سيكون عليك أن تجيبهم عن سؤال بسيط وصعب في الوقت نفسه: ماذا ستفعل عندما تنتهي الانتخابات؟



