زلزال التسريبات الصوتية: عندما تُسقط الغرف المغلقة أقنعة الخطاب السياسي

يسير البلغيتي27 أغسطس 2026آخر تحديث :
زلزال التسريبات الصوتية: عندما تُسقط الغرف المغلقة أقنعة الخطاب السياسي

يسير البلغيتي
في الوقت الذي تنتظر فيه الساحة الوطنية منافسة شريفة تُبنى على البرامج والحلول التنموية، جاءت التسريبات الصوتية الأخيرة المنسوبة إلى القياديين رشيد الطالبي العلمي ومحمد أوزين لتُحدث إرباكاً واسعاً في المشهد السياسي، وتعيد إلى الواجهة أسئلة ثقيلة حول أخلاقيات الممارسة الحزبية، وعمق الأزمة التي تتصارع فيها النخب حول المواقع والتحالفات.
لم تكن المقاطع المتداولة مجرد تسريبات عابرة، بل كشفت، بحسب مضمونها المتداول، جانباً مما يُدار خلف الأبواب المغلقة. فالتسريب المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي لم يقف عند حدود ترتيب بيت الأغلبية، بل تضمن، وفق ما تم تداوله، انتقادات وتراشقاً يستهدف القيادي فوزي لقجع، بما يفتح الباب أمام تساؤلات حول صراعات مبكرة مرتبطة بتوزيع الحقائب والهيمنة على التزكيات.
وعلى الجانب الآخر، أزاح التسريب المنسوب إلى محمد أوزين الستار، وفق مضمونه المتداول، عن كواليس اختيار المرشحين، مكرساً انطباعاً بأن عملية التزكية الحزبية قد تخضع أحياناً للمساومات والعلاقات الضيقة، بدل الاحتكام الصارم إلى معايير الاستحقاق والكفاءة.
تكمن الخطورة الحقيقية لهذه التسريبات في آثارها الممتدة على الوعي الجمعي، إذ من شأنها أن تُعمّق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية.
يُبرز هذا السجال البون الشاسع بين شعارات من قبيل “الحكامة الجيدة” و”الديمقراطية الداخلية”، وبين ما قد توحي به بعض المضامين المتداولة من منطق الصراعات والمصالح الشخصية في تدبير القرار السياسي.
وتبعث هذه التطورات رسائل محبطة إلى الشارع، ولا سيما فئة الشباب، بما قد يكرس العزوف عن المشاركة السياسية، ويعزز الاعتقاد بأن جزءاً من العملية السياسية تحكمه حسابات ومصالح تُحسم بعيداً عن التنافس على أساس البرامج والكفاءة.
وعندما تتحول قامات قيادية يُفترض فيها التحلي بالحكمة والمسؤولية وتدبير الشأن العام إلى أطراف في سجالات حادة ومتداولة على نطاق واسع، فإن هيبة المؤسسات الدستورية والحزبية تصبح بدورها عرضة للتأثر، وهو ما ينعكس سلباً على صورة العمل السياسي برمته.
وتضع هذه التطورات المشهد السياسي أمام مرآة الحقيقة: فإما الذهاب نحو مراجعات جذرية تُعيد للعمل الحزبي نُبله وأخلاقياته، عبر ترسيخ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وإما الاستمرار في نزيف الثقة الذي يهدد جودة الوساطة السياسية ويُعمّق الفجوة بين المواطن والنخب والمؤسسات.
ويبقى السؤال الأهم : هل ستتحول هذه التسريبات إلى لحظة للمراجعة والتصحيح، أم ستظل مجرد فصل جديد من فصول الصراع السياسي داخل الغرف المغلقة؟.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.