بقلم جيهان مشيمس
تعيش الساحة السياسية في الآونة الأخيرة على وقع مناوشات وتصريحات متضاربة بين مكونات التحالف الحكومي، حيث تحولت المنصات الإعلامية والحسابات الرقمية إلى حلبة لتبادل الرسائل المشفرة وتصفية الحسابات السياسية. وتكشف هذه “الشطحات والخرجات” غير المحسوبة عن خلل صريح في مبدأ التضامن الوزاري، ما يفرز حالة من الارتباك السياسي التي تستدعي تدخلاً عاجلاً وحازماً من حكماء وعقلاء التحالف لفرض ضبط النفس وإعادة الاعتبار للعمل المؤسساتي الرزين.
ولم تعد مظاهر هذا التوتر مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر، بل تجسدت في تضارب صريح للتصريحات بشأن قضايا اقتصادية واجتماعية مصيرية، ونقل الخلافات الداخلية إلى العلن عبر منابر التواصل الاجتماعي بدلاً من حسمها في المؤسسات والهيئات التنسيقية المغلقة. ويكشف هذا النهج عن رغبة مبكرة في المزايدات السياسية والاستحقاقات الانتخابية، محاولةً من كل طرف إلقاء اللوم على شريكه في التحالف للتنصل من مسؤولية التأخر في تنزيل بعض البرامج العمومية.
إن العرف السياسي والأخلاقي يفرض انسجاماً تاماً بين أعضاء الجهاز التنفيذي؛ ذلك أن هذا التشويش الإعلامي المتواصل لا يقتصر أثره على إضعاف الثقة الشعبية وتكريس انطباع لدى المواطن بأن الحكومة مشغولة بصراعاتها الداخلية، بل يمتد ليزعزع ثقة الفاعلين الاقتصاديين ويؤدي إلى ارتباك القرار العمومي وتأخر الإصلاحات الهيكلية، فضلاً عن إمداد خطابات المعارضة بآليات جاهزة للنقد والتكذيب.
وتقتضي المصلحة الوطنية اليوم أن تتدخل قيادات الأحزاب المشكلة للحكومة لإعادة قطار الأغلبية إلى سكته الصحيحة، عبر تفعيل ميثاق الأغلبية وإلزام الجميع بالآليات التنسيقية المعتمدة قبل إطلاق أي موقف علني. كما يلزم فرض انضباط حزبي صارم يمنع التراشق اللفظي، والترفع عن الحسابات الفئوية الضيقة لحساب التركيز الكامل على تنزيل الأجندة الحكومية والوفاء بالالتزامات أمام المواطنين، ف السياسة في جوهرها هي إدارة التباينات بعقلانية ورزانة لا بخرجات استعراضية تزعزع الاستقرار السياسي.



