السياسة المغربية بين استنزاف الجدال العقيم وتحديات النموذج التنموي

يسير البلغيتي8 سبتمبر 2026آخر تحديث :
السياسة المغربية بين استنزاف الجدال العقيم وتحديات النموذج التنموي

تقتضي اللحظة التاريخية التي يمر منها المغرب تعبئة شاملة واستجابة جادة للتحديات الهيكلية المتمثلة في تحقيق العدالة الاجتماعية، وإصلاح المنظومة التعليمية والصحية، وخلق فرص عمل واعدة تجذب الفئات الشابة. غير أن المتتبع لمسار المشهد السياسي الحزبي يقف على مفارقة صارخة بين رهانات الدولة والتزاماتها المعلنة في “النموذج التنموي الجديد”، وبين واقع الأداء الميداني للأحزاب والتكتلات السياسية التي يبدو أنها آثرت الغرق في مهاترات هامشية وجدالات عقيمة على حساب التنافس البرامجي المقتدر.
لقد غدت الساحة السياسية الوطنية في كثير من محطاتها مسرحاً لسجالات شخصية وشعبوية تفتقر إلى العمق الفكري والتحليلي، حيث تطغى الخطابات المشحونة والاستقطابات الأيديولوجية أو الفردية على النقاش العقلاني المتعلق بالسياسات العمومية. إن تحويل العمل الحزبي من فضاء لإنتاج الأفكار وصياغة البدائل الاقتصادية والاجتماعية إلى حلبة لتصفية الحسابات السياسوية الضيقة لا يمثل فقط إهداراً للزمن التنموي، بل يساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.
إن تراجع الدور المؤطر للأحزاب السياسية وخلو برامجها الانتحابية والعملية من الرؤى الاستراتيجية القابلة للتطبيق جعل الخطاب السياسي يفقد جاذبيته، مما دفع بفئات واسعة، وفي مقدمتها الشباب، إلى العزوف عن المشاركة السياسية والإيمان بجدوى العمل الحزبي. ويأتي هذا العجز البرامجي ليضعف قدرة البرلمان والمجالس المنتخبة على ممارسة أدوارها الدستورية الحقيقية، المتمثلة في التشريع المبتكر، والرقابة الصارمة على الأداء الحكومي، وتقييم السياسات العمومية بناءً على المؤشرات والنتائج وليس على المزايدات الكلامية.
إن العبور بالمملكة نحو مصاف الدول الصاعدة والمتقدمة يستوجب قطيعة حاسمة مع ممارسات الماضي، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي بوصفه خدمة عمومية ورسالة وطنية قائمة على حكامة البرامج وواقعية التعهدات. فلن يتأتى الاصطفاف إلى جانب الدول المتقدمة إلا عبر أحزاب قوية، تمتلك شجاعة التجديد الذاتي، وتستثمر في أطرها الشابة، وتعلّم مناضليها لغة الأرقام والمشاريع التنموية، وتجعل من المصلحة العليا للوطن بوصلتها الأولى والأخيرة بعيداً عن صخب الجدالات الفارغة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.