سماسرة النضال الرقمي: كيف تحولت مشاكل المناطق الهامشية إلى “تريند” ومطية سياسية؟

بوشعيب هارة21 سبتمبر 2026آخر تحديث :
سماسرة النضال الرقمي: كيف تحولت مشاكل المناطق الهامشية إلى “تريند” ومطية سياسية؟

بقلم : بوشعيب هارة

​ لم تعد الشعارات النضالية تُرفَع في الساحات العامة أو تُدَبَّج في البيانات السياسية والجمعوية كما كان عليه الحال سابقاً، بل انتقلت المعركة إلى الشاشات الزرقاء. وفي شريط مناطق كـ “عين حرودة” و”زناتة” وغيرها من الهوامش التي تشهد تحولات عمرانية وإعادة هيكلة واسعة، بات “البث المباشر” (Live) وسيلة التعبئة الأولى. لكن خلف هذا التحول الرقمي، برزت ظاهرة جديدة أكثر خطورة: صناعة النضال الكاذب والاتجار بمعاناة البسطاء.

​من الترافع الصادق إلى استثمار “التريند”

​لا أحد ينكر أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت الفئات الهشة صوتاً للوصول إلى المسؤولين وكشف الاختلالات. غير أن الخيط الفاصل بين الترافع المواطن العادل والاستغلال المصلحي أصبح رفيعاً جداً.

​لقد تحولت أزمات السكن، عمليات هدم الدواوير، وتأخر التعويضات في المناطق الهامشية إلى مادة دسمة لحصد “المشاهدات” وتأجيج العواطف. يُجَيَّش المواطن المكلوم ليقف أمام الكاميرا، ويُدفَع لتبني خطابات حادة، فقط ليتحول ألمه الشخصي إلى “تريند” يدر الأرباح الرقمية على أصحاب الصفحات، أو يُستغل كبطاقة ضغط لتصفية حسابات ضيقة.

​النضال الموسمي وركوب موجة الاستحقاقات

​تتكشف حقيقة هذا “النضال الرقمي” بوضوح مع تقلب الفترات السياسية والانتخابية. يظهر “مناضلو الشاشة” بكثافة عند تفاقم المشاكل السطحية أو اقتراب الاستحقاقات، متسترين برداء الدفاع عن المظلومين، ليمارسوا نوعاً من الابتزاز السياسي ضد المؤسسات أو المنافسين.

​وما إن تقضى المآرب أو تنتهي المواسم الانتخابية، حتى يختفي هؤلاء من الميدان، تاركين المواطن البسيط يواجه التعقيدات الإدارية والمسارات القانونية بمفرده، بعد أن جُرّد من قضيته الحقيقية وتحول إلى مجرد رقم في حاسبة التفاعلات.

​تزييف الوعي وإعاقة الحلول

​إن الخطورة الكبرى لسماسرة النضال الرقمي لا تكمن فقط في استغلال الأشخاص، بل في إعاقة مسارات الحلول الحقيقية:

• ​تشويه القضايا العادلة: عبر شحن النفوس بأساليب فوضوية تسيء لمشروعية مطالب الساكنة.

• ​تشنيع قناة التواصل: خلق جدار من الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات المعنية بسبب المغالطات والشائعات.

• ​إقصاء الفاعلين الصادقين: تهميش أبناء المنطقة النزهاء والجمعويين الميدانيين الذين يشتغلون في الصمت بعيداً عن المزايدات والكاميرات.

​الوعي المواطن هو الحل

​إن التنمية الحقيقية وإنصاف الساكنة المتضررة لا يتحققان بشرذمة المتابعين أو بالخطابات الرنانة خلف الشاشات، بل بالعمل الميداني المؤسساتي، والترافع القانوني النزيه، والشفافية التامة من طرف الجهات المسؤولة.

​لقد أضحت الساكنة اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بامتلاك “الحس النقدي”، والتمييز بين من يحمل هموم المنطقة بصدق وأمانة، وبين من يستغل آلامها ليرتقي على أكتافها نحو مآرب شخصية أو مكاسب سياسية عابرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.