“حقيبة مدرسة القدس” بطنجة: حين يُعيد القضاء الهيبة للخيار الديمقراطي ويُقطع مع وظيفية البلاغات الإدارية

يسير البلغيتي28 سبتمبر 2026آخر تحديث :
“حقيبة مدرسة القدس” بطنجة: حين يُعيد القضاء الهيبة للخيار الديمقراطي ويُقطع مع وظيفية البلاغات الإدارية

شكل البلاغ الصادر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة نقطة تحول حاسمة في مسار ملف ما بات يعرف بـ “حقيبة مدرسة القدس” بكاسبراطا، حيث تجاوز حدود الإحاطة الإعلامية الروتينية ليعيد رسم الخريطة الجنائية والسياسية للقضية برمتها. فمن خلال مطالعة المقتضيات الإجرائية المضمنة في البلاغ، يتبين أن النيابة العامة رفضت التعاطي مع الواقعة باعتبارها مجرد مخالفة أو خرق إداري عابر، وقررت تكييف الأفعال المرتكبة رسميا ضمن طائلة جناية انتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة فيهما، مع التماس إحالة الموقوفين على قاضي التحقيق في حالة اعتقال احتياطي. هذا التوصيف الجنائي الرفيع يعكس جسامة الخطورة التي مست بالنظام العام الانتخابي، ويؤكد أن العملية كانت تستهدف إحداث تغيير قسري ومفتعل في نتائج الاقتراع.

​تأتي هذه الواقعة لتعيد إلى الواجهة نقاشاً وطنياً سال فيه الكثير من الحبر حول نزاهة المسلسلات الانتخابية وحرص المؤسسة القضائية على حماية الإرادة الشعبية من أي اختراق أو تحريف. إن الانتقال بالملف من خانة “الاضطراب التنظيمي” أو “الخطأ الإجرائي” إلى مربع الجنايات الثقيلة، يحمل في مطاويه رسالة صريحة ومباشرة لكل الفاعلين في المشهد السياسي والانتخابي؛ مفادها أن صناديق الاقتراع لم تعد خطاً أحمر بفضل النصوص القانونية الزاجرة فحسب، بل بفضل وجود إرادة قضائية صارمة تسعى إلى تحصين الممارسة الديمقراطية من السلوكيات النفعية والشبكات التي تستغل نفوذها أو ثغرات التدبير الميداني للعبث بصوت المواطن.

​إن تتبع تفاصيل “حقيبة مدرسة القدس” بكاسبراطا يظهر جلياً أن الفعل المتصل بتغيير أوراق الاقتراع أو تسريبها أو التلاعب بأسماء ومحاضر مكاتب التصويت ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل يتعداه ليكون سلوكاً يضرب فلسفة المشروعية في مهدها. فالمس بالعملية الانتخابية هو مس مباشر بالمؤسسات المتولدة عنها، وتشكيك صريح في نجاعة المسار الديمقراطي للبلاد. ومن هذا المنطلق، يسهم التكيف القانوني الحاسم للنيابة العامة بمدينة طنجة في ترسيخ الأمن القانوني والأمن القضائي، عبر التأكيد على أن الآليات الجنائية جاهزة تماماً للردع والزجر الشديدين كلما ظهرت محاولات للالتفاف على قواعد التنافس الشريف.

​ختاماً، إن تحريك المتابعة الجنائية والمطالبة بالاعتقال الاحتياطي لمجمل المتورطين يسلط الضوء على الدور المحوري للقضاء في بناء دولة الحق والقانون؛ إذ لا يمكن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة دون حماية جنائية كافية تحرس مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص. وتبقى القضايا من هذا الحجم اختباراً حقيقياً يبرهن من خلاله القضاء المغربي على أنه الساهر الأول على حماية خيارات المواطنين، وأن صندوق الاقتراع سيظل دائماً تعبيراً خالطاً عن إرادة الناخبين، بعيداً عن أيدي العابثين ومحاولات التزوير والتأثير غير المشروع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.