جرأة الفتوى وتغليب الهوى: حين تصبح المقتضيات الشرعية موضوعاً للخوض الإعلامي

يسير البلغيتي21 سبتمبر 2026آخر تحديث :
جرأة الفتوى وتغليب الهوى: حين تصبح المقتضيات الشرعية موضوعاً للخوض الإعلامي

يشهد النقاش المجتمعي والفقهي تجاوزات صارخة تمس الثوابت الشرعية للأسرة والأمة، حيث تحول الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة يستبيح فيها مدّعو المعرفة الخوض في أحكام قطعية وُضعت لحفظ الدين والنظام الاجتماعي. وما التصريحات الأخيرة الصادرة عن بعض الشخصيات العامة—والتي طالبت بالتشكيك في مقتضى “عدة المتوفى عنها زوجها” وربطها المباشر بحجج واهية كالتقدم العلمي أو عدم التناظر بين الجنسين—إلا نموذج صارخ لما آل إليه الخطاب من تطاول وتجرؤ غير محسوب.

​إن أحكام العدة في الشريعة الإسلامية لم تكن يوماً مجرد تدبير تقني يستهدف التحقق من براءة الرحم لتقوم التكنولوجيا بمقامه، بل هي حكم شرعي تعبدي ومقتضى إلهي يتجاوز البعد البايولوجي إلى أبعاد أخلاقية وتربوية واجتماعية. تكمن المأساة في أن يتطرق غير المختصين من رجال ونساء السياسة والمال إلى قضايا الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة، متجاهلين أن الأحكام الشرعية ليست آراء قابلة للتعديل بطلب من العامة أو الهواة، بل هي إطار سيادي ومنظومة علمية متكاملة تقوم على أدلة قطعية الدلالة والثبوت.

​في مقابل هذا التطاول المتكرر، يثور التساؤل الملح حول دور المجالس العلمية والمؤسسات الإفتائية الرسمية. إن غياب الرد الصارم والسريع من قبل هذه الجهات المنوط بها حراسة الدين وحماية الأمن الروحي للمواطنين يترك فراغاً خطيراً تستغله الاصوات النشاز لنشر المغالطات وإرباك الفطرة السليمة لدى عامة الناس. إن حماية الدين لا تتطلب الصمت أو التريث عندما تُمَس الأحكام الثابتة بالنص، بل تستدعي حزماً فكرياً وبياناً شرعياً يضع الحدود الفاصلة بين حرية الرأي والتعبير وبين التجرؤ على الشريعة.

​إن الخوض في الدين بغير علم يعد من خوارم المروءة والمواطنة المسؤولة. ويتعين على المجالس العلمية الاستفاقة والمبادرة لحماية المرجعية الدينية للأمة، ووضع حد لمن باتوا يتحدثون في أمور العامة والدين بغير أصل علمي، حتى لا تُترك الثوابت الشرعية عرضة للأهواء والأجندات الفردية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.