صناعة “التخدير الروحي” كيف تُستغل الخرافة لإشغال الشعوب عن أزماتها؟

يسير البلغيتي22 أغسطس 2026آخر تحديث :
صناعة “التخدير الروحي” كيف تُستغل الخرافة لإشغال الشعوب عن أزماتها؟

يسير البلغيتي

​في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في العديد من المجتمعات وتشتد حاجة الشعوب إلى حلول واقعية وتنمية حقيقية، تبرز على السطح ظواهر دينية وطقوسية غريبة تُغرق وسائل التواصل الاجتماعي بألوانها الفاقعة ورقصاتها الدائرية. لم يعد المشهد مجرد “شطحات صوفية” أو ممارسات فردية عابرة، بل تحول إلى ظاهرة قائمة بذاتها تسلط الضوء على سؤال جوهري من يقف وراء ترويج هذه المظاهر، وما الفائدة من تغذية “التصوف المحرف” في هذا التوقيت بالذات؟.

فالتحول ​من الفكرة إلى الفلكلوربإختطاف مفهوم “التزكية”، ف​لم يكن التصوف في جوهره التاريخي معزولاً عن واقع الناس إذ شهد التاريخ الإسلامي قادة ومصلحين جمعوا بين السلوك الروحي ومواجهة الظلم والاستعمار.غير أن النماذج المنحرفة المعاصرة عملت على تفريغ هذا المفهوم من محتواه الأخلاقي والعلمي، وتحويله إلى “استعراض بصرِي” يعتمد على الملابس المهرجة، والدعاوى الباطنية مثل “رؤية النور” وتلقي العلوم دون تعلم.

​هذا التحول من “تزكية النفس” إلى “تخدير العقل” يخدم هدفاً رئيساً الا وهي صناعة إنسان سبيسالي يرى في معاناته اليومية مجرد “أوهام دنيوية” لا تستحق التفكير أو المطالبة بالتغيير.

​إن استمرار هذه الظواهر وانتشارها السريع لا يحدث في الفراغ، بل يتغذى على تقاطع مصالح عدة أطراف

​تجار الدين وأدعياء المشيخة: يُحقق بروز هذه الطرق لرجالاتها نفوذاً روحياً مطلقاً، يتبعه تدفق للأموال والتبرعات باسم النذور والبركات، مما يحول “الزاوية” إلى مشروع استثماري مدر للأرباح. ويساعد في

​إدارة الأزمات عبر التصوف المحرف حيث تجد بعض الجهات السياسية في هذه الجماعات نموذجاً للتدين “الأليف والآمن” فهو تدين يستهلك طاقة الشباب في الرقص والتأمل الغيبي بدلاً من التفكير النقدي والمطالبة بالحقوق مما يجعلها أداة فريدة لتفريغ الاحتقان الاجتماعي من جهة أخرى يستفيد شيوخ الطرق الصوفية من

​خوارزميات «الترند» بالاعتماد على منصات التواصل لصناعة “الإثارة البصرية”. فالألوان الصارخة والطقوس الغريبة تمثل مادة مثالية لجلب المشاهدات، مما يمنح هذه الجماعات حجماً إعلامياً يفوق حجمها الحقيقي في المجتمع بمرات.

 وهنا تكمن ال​خطورة «تخدير الجماهير» على مستقبل المجتمعات

​ بتعطيل “العقل وسبب الإرادة فعندما يُربى المريد على قاعدة “كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل”، يسري هذا التسليم المطلق إلى مجالات الحياة كافة فيعتاد الفرد على التبعية، ويفقد قدرته على التمييز بين الأسباب الواقعية للمشكلات وبين التبريرات الغيبية.

ف​تتحول الخرافة هنا من مجرد جهل فردي إلى وظيفة اجتماعية تُسهم في إطالة عمر الأزمات عبر توجيه غضب الناس ونقدهم نحو الغيبيات، بدلاً من توجيهه نحو أصل المشكلات الاقتصادية والسياسية.

​إن مواجهة هذه الموجة من “التخدير الروحي” لا تتطلب فقط معالجة فكرية من قبل العلماء والمصلحين لكشف الانحراف العقدي، بل تتطلب أيضاً وعياً مجتمعياً يُفرق بين التدين الواعي الذي يبني الإنسان ويحثه على العمل والإصلاح، وبين التدين المغشوش الذي يُستخدم أداةً لإشغال الجماهير عن واقعها وسلبها حقها في التفكير والحياة الكريمة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.