المولد النبوي الشريف: تجديد العهد مع مقام صاحب الخُلُق العظيم

ديسبريس21 أغسطس 2026آخر تحديث :
المولد النبوي الشريف: تجديد العهد مع مقام صاحب الخُلُق العظيم
المولد النبوي الشريف: تجديد العهد مع مقام صاحب الخُلُق العظيم

بقلم : الكاتب والمفكر حمدي قنديل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.

إن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف ليس مجرد عادة زمنية تتكرر، ولا احتفالًا ظاهريًا يقتصر على المظاهر، بل هو مناسبة لاستحضار السيرة العطرة، ووقفة إجلال وتأمل، ومحطة إيمانية جليلة لإعادة ترتيب بيت المسلم من الداخل، وترميم ما أوهنته الأيام في علاقته بربه وبسيد الخلق ﷺ.

إن أول الأدب مع مقام النبي ﷺ أن نعرف قدره عند خالقه جل وعلا؛ فقد رفع الله شأنه ومكانته، وأثنى عليه في كتابه الكريم، وجعل محبته واتباعه من دلائل صدق الإيمان.

عظمة الخُلُق: قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فلم يصفه سبحانه بالخُلُق الحسن فحسب، بل وصفه بالخُلُق العظيم، بما يحمله من كمال في الصفات وسمو في التعامل.

الصلاة والسلام عليه: قال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. وفي هذه الآية تكريم عظيم للنبي ﷺ، ودعوة للمؤمنين إلى الإكثار من الصلاة والسلام عليه.

الرحمة المهداة: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فكانت رسالته ﷺ رسالة رحمة وهداية وخير للناس أجمعين.

إن الصلاة على الحبيب المصطفى ﷺ، حين تنبع من قلب مؤمن صادق، لا ينبغي أن تبقى مجرد كلمات تُردد باللسان، بل ينبغي أن تتحول إلى أثر ظاهر في السلوك والمعاملة والأخلاق.

الصلاة صدق وأمانة: أن تصلي على النبي ﷺ صلاة المحبين الصادقين يعني أن تجعل من سيرته منهاجًا في حياتك، فتتأسى بصدقه وأمانته وحلمه وحسن معاملته. وقد قال ﷺ: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (رواه الترمذي).

الصلاة رحمة وعطاء: أن تحب النبي ﷺ حق المحبة، وأن تسعى إلى الاقتداء برحمته وإحسانه، فتجعل في قلبك محبة الخير للناس، وتبادر إلى نفعهم بالصدقة والإحسان وصلة الرحم، امتثالًا لقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (متفق عليه).

الصلاة إصلاح وإيمان: أن يكون المسلم من أهل الإصلاح الذين يبنون ولا يهدمون، ويجمعون ولا يفرقون، ويجعلون أخلاق النبي ﷺ واقعًا معاشًا في حياتهم، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

وإننا، إذ نستحضر هذه المعاني الجليلة، نتوجه بقلب محب وناصح إلى كل من ينظر إلى إحياء ذكرى المولد النبوي بعين النقد أو التحفظ، فنقول بلسان الأدب والحرص على وحدة الأمة:

ما الذي يضير من اجتمعوا على ذكر الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيه، وتدارسوا سيرته العطرة، وتذاكروا مكارم أخلاقه، ودعوا إلى صلة الأرحام، وإطعام الطعام، وتجديد التوبة والإصلاح؟

إن الأصل في الخير أن تتعاون القلوب عليه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. وحين تتجه القلوب إلى محبة النبي ﷺ واتباع سنته واستحضار أخلاقه، فإن المقصد الأسمى هو أن يكون ذلك سبيلًا إلى جمع الكلمة، وإصلاح النفوس، وتقوية أواصر المحبة بين المسلمين.

ومع ذلك، فإن اختلاف الناس في بعض صور إحياء هذه المناسبة ينبغي ألا يتحول إلى سبب للتباغض أو التنازع، فالمقصد الأهم هو تعظيم النبي ﷺ، والاقتداء به، والتمسك بأخلاقه، وصيانة وحدة الأمة.

إن سيرة النبي محمد ﷺ ليست رسالة لقوم دون قوم، ولا دعوة لعرق أو لون أو قبيلة، بل هي رسالة توحيد وعدل ورحمة ومكارم أخلاق. وقد أثنى الله تعالى على رحمته ولين جانبه فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

لقد كان ﷺ رحمة في تعامله، وعفوًا عند المقدرة، وصادقًا في قوله، أمينًا في معاملاته، حريصًا على هداية الناس وإسعادهم وإخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان.

فيا أتباع محمد ﷺ، كونوا أهلًا لهذه النسبة الشريفة، واجعلوا من المولد النبوي الشريف مناسبة لتجديد العهد مع سيرته وأخلاقه، لا بالقول وحده، بل بالعمل والسلوك والمعاملة.

اجعلوا الصدق عنوانكم، والرحمة منهجكم، والعفو قوتكم، والإحسان طريقكم، وصلة الرحم خُلُقكم، وخدمة الناس غايتكم؛ فبهذا نُحيي المعنى الحقيقي لحب رسول الله ﷺ، ونحوّل ذكرى مولده إلى انطلاقة جديدة نحو إصلاح النفس والمجتمع، ونكون بحق سفراء هداية ورحمة وخير للعالمين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.