
محمد فتاح
في المقهى المعتاد، جلست صدفة بجانب بعض الزبناء، وما هي إلا دقائق حتى بدأ واحد منهم يفتح موضوعا بدا في الأول عاديا، قبل أن يتحول إلى نقاش طويل، من ذاك النوع الذي لا تعرف منين بدا وفين غادي يسالي.
قال أحدهم وهو يقلب فنجان قهوته:
ـ واش غادي نحتافلو هاد العام بالمولد النبوي الشريف؟
رد عليه آخر بسرعة:
ـ الاحتفال؟ كل واحد وكيفاش كيشوفو… المهم هو واش حنا فعلا محتاجين نحتافلو بالمولد، ولا محتاجين نرجعو لسيرة الرسول وأخلاقه؟
ساد الصمت للحظات، قبل أن يتدخل ثالث، وكأنه كان ينتظر دوره:
ـ شوف آ صاحبي، المشكل ماشي فذكرى المولد، المشكل فشنو درنا من بعد الذكرى. كنسمعو على الأخلاق والرحمة والتسامح، ومن بعد كنخرجو للزنقة نلقاو السب والقذف والنفاق وكل واحد شاد طريقو.
ضحك أحد الجالسين وقال:
ـ آ صاحبي، راه حتى فالمقهى عندنا واحد الاحتفال بالمولد خاصو يكون… نهار كامل وهما كيهضرو على السيرة، ونهار من بعد كيرجعو لنفس العادات!
قهقه الجميع، لكن سرعان ما عاد النقاش إلى الجدية.
قال رجل كان صامتا طوال الوقت:
ـ بين الحقيقة والخيال، خاصنا نفرقو بين الدين وبين ما صنعناه نحن عبر الزمن. ذكرى المولد مناسبة لاستحضار سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الأهم هو أن تتحول تلك السيرة إلى سلوك يومي، ماشي غير كلمات تتقال في المناسبات.
وأضاف:
ـ واش الرحمة غير فنهار المولد؟ واش الصدق غير فالمواعظ؟ واش احترام الناس غير فالمناسبات الدينية؟ الرسول عليه الصلاة والسلام ترك لنا مدرسة كاملة في التعامل مع الناس، ونحن أحيانا نكتفي بالحديث عنها وننسى تطبيقها.
تدخل صاحب المقهى وهو يضع كؤوس الشاي:
ـ إيوا هادي هي القهيوة المهرسة! كل واحد داخل بشي رأي، وكل واحد باغي يقنع الآخر، وفي الأخير القهوة هي اللي كتخلص الحساب!
تعالت الضحكات من جديد.
لكن السؤال بقي معلقا في الهواء:
هل ذكرى المولد النبوي الشريف مجرد مناسبة نحييها كل سنة، أم فرصة لنعيد النظر في علاقتنا بأخلاق النبي وسيرته؟
ربما الحقيقة ليست في كثرة المظاهر ولا في كثرة الكلام، وإنما في ذلك الإنسان الذي يخرج من المناسبة وهو أكثر رحمة، وأكثر صدقا، وأكثر احتراما للآخر.
أما الخيال، فهو أن نعتقد أن الاحتفال وحده يكفي لنقول إننا اقتربنا من أخلاق المصطفى.
وفي الأخير، واحد من الجالسين قال وهو يرتشف آخر رشفة من قهوته:
ـ إلا كان المولد غادي يخلينا غير نهضرو على الرسول، راه بزاف ديال الهضرة. أما إلا خلانا نحاولو نعيشو شي حاجة من أخلاقو، فهنا المولد عندو معنى آخر.
سكت الجميع…
وسمعنا صوت صاحب المقهى من بعيد:
ـ شكون غادي يخلص القهوة؟
وهنا سالات الجلسة، وبقات القضية مفتوحة…
قهيوة مهرسة، ولكن بعض المواضيع ما كتساليش مع آخر رشفة.



