قهيوة مهرسة عندما يصبح “كل شيء بخير” مجرد جواب

ديسبريس28 أغسطس 2026آخر تحديث :
قهيوة مهرسة عندما يصبح “كل شيء بخير” مجرد جواب
قهيوة مهرسة عندما يصبح “كل شيء بخير” مجرد جواب

محمد فتاح

في المقهى المعتاد، حيث تبدأ الحكايات بفنجان قهوة وتنتهي أحيانا بسؤال لا يجد جوابا، كان الحديث هذه المرة عن تلك العبارة التي أصبحت تتردد كثيرا في حياتنا : «كل شيء بخير».
جلس رجل إلى جانب صديقه، وبعد تبادل التحية سأله:
— كيف حالك؟
ابتسم الآخر وقال:
— الحمد لله، كل شيء بخير.
نظر إليه طويلا، ثم قال:
— متأكد؟
أجابه بسرعة:
— طبعاً!
لكن ملامحه كانت تقول شيئا آخر.
فكم من شخص يضحك أمامك، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرفها أحد. وكم من إنسان يقول «أنا بخير»، فقط لأنه لا يريد أن يفتح بابا طويلاً من الأسئلة.
تدخل أحد الجالسين قائلا :
— ربما أصبحنا نخاف من الصراحة أكثر مما نخاف من المشاكل نفسها.
رد عليه صاحبه:
— الصراحة أصبحت مكلفة… «خليها ساكتين، أحسن».
ضحك الجميع، لكن الضحكة سرعان ما تحولت إلى صمت.
قال رجل مسن كان يتابع الحديث:
— زمان، كان الإنسان يجد من يسمعه. اليوم، قد تجد عشرات الأشخاص في هاتفك، لكن عندما تحتاج واحدا منهم، تجد الجميع مشغولين.
هنا قال أحدهم:
— وربما نحن أيضا أصبحنا لا نسأل إلا من باب المجاملة.
سؤال سريع، جواب أسرع، وتنتهي الحكاية.
«كيف حالك؟»
«بخير.»
وتستمر الحياة…
دون أن نعرف أن كلمة «بخير» قد تخفي وراءها تعبا، أو خوفا، أو أزمة، أو مجرد رغبة في أن يجد صاحبها شخصا يقول له: «أنا هنا، إذا أردت أن تتحدث.»
أفرغ أحدهم فنجان قهوته وقال:
— المشكل ماشي أننا لا نسأل… المشكل أننا نسأل ولا ننتظر الجواب.
ساد الصمت من جديد.
ربما لأن العبارة أصابت شيئا في الجميع.
في «قهيوة مهرسة»، لا نبحث دائما عن الأجوبة الكبيرة. أحيانا يكفي أن ننتبه إلى التفاصيل الصغيرة.
أن تسأل شخصا : «كيف حالك؟» ثم تمنحه الوقت ليجيب بصدق.
فربما لا يحتاج إلى نصيحة، ولا إلى حل…
ربما يحتاج فقط إلى من يسمعه.
قهيوة اليوم بردات… ولكن السؤال ما زال سخون: كم شخصا حولنا يقول «أنا بخير» وهو في الحقيقة ليس بخير؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.