سوق الديون المتعثرة في المغرب: بين حتمية الهيكلة البنكية وضمانات الحماية الاجتماعية

يسير البلغيتي29 أغسطس 2026آخر تحديث :
سوق الديون المتعثرة في المغرب: بين حتمية الهيكلة البنكية وضمانات الحماية الاجتماعية
سوق الديون المتعثرة في المغرب: بين حتمية الهيكلة البنكية وضمانات الحماية الاجتماعية

بقلم يسير البلغيثي
​ تشهد المنظومة المالية الوطنية تحولاً هيكلياً يعيد رسم معالم العلاقة بين المؤسسات البنكية والمقترضين، وذلك مع وضع بنك المغرب، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية، الإطار التنظيمي لتأسيس سوق متخصصة لبيع وإدارة “الديون المتعثرة” (Créances souffrance). يمنح هذا القرار للبنوك إمكانية التنازل عن ديونها الهالكة والمجمدة لصالح شركات متخصصة في التحصيل، في خطوة تستهدف معالجة واحدة من أكبر العقبات التي تكبل قدرة القطاع المصرفي على الاستمرار في تمويل الاقتصاد الوطني.
​وقد جاء تحرك السلطات النقدية بعد أن تجاوزت الكتلة الإجمالية للقروض غير المؤداة حاجز 100 مليار درهم داخل المنظومة البنكية المغربية، مما فرض ضغوطاً متزايدة على الميزانيات العمومية للبنوك وألزمها باقتطاع مخصصات مالية ضخمة لمواجهة مخاطر التخلف عن السداد. وتتيح هذه الآلية الجديدة للبنوك التخلص من ثقل هذه الأصول المعطلة وبيعه بخصم محدد، مما يوفر لها سيولة فورية ويسمح بتعزيز مؤشرات صلابتها المالية وتصنيفها الائتماني، فضلاً عن تخفيف العبء الإداري والقانوني المترتب على المتابعات القضائية الطويلة، لتتفرغ بدلاً من ذلك لتمويل المشاريع وتطوير خدماتها الأساسية.
​في المقابل، يفتح هذا التحول المالي باباً واسعاً من المخاوف بشأن المصير القانوني والاجتماعي للأسر والمؤسسات الصغرى المعسرة عند تحويل ديونها إلى شركات هدفها الأول هو الربحية والاستخلاص. ولدفع هذه التخوفات، حرص الإطار القانوني على إخضاع شركات التحصيل لإشراف ومراقبة دورية من طرف بنك المغرب، مع إلزامها بالتطابق التام مع مقتضيات العقود الأصلية دون فرض أي فوائد تعسفية جديدة، إلى جانب حظر الممارسات القسرية وحماية السرية المصرفية والمعطيات الشخصية للمدينين.
​ويبقى الرهان الأساسي لنجاح هذه التجربة المفهومة اقتصادياً مرهوناً بمدى صرامة الجهاز الرقابي لبنك المغرب، وقدرته على تحقيق التوازن الدقيق بين إعادة الدفء إلى شرايين السيولة البنكية، وبين صيانة الضمانات القانونية والاجتماعية التي تكفل حماية المقترضين من أي شطط في استخلاص الديون.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.