
بقلم منير الحمزاوي
في الوقت الذي تشتد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية على كاهل المواطن، وتتطلب المرحلة أقصى درجات التضامن والنجاعة في تدبير الشأن العام، تتجه الأنظار بكثير من القلق والتوجس نحو المشهد الحكومي الحالي. لم يعد التراشق الإعلامي والسجال المستمر بين مكونات التحالف الحكومي مجرد اختطاف عابر للأضواء أو “توابل سياسية” فرضتها طبيعة التدافع الحزبي، بل تحول إلى مظلمة سياسية حقيقية تؤرق الشارع وتشتت الجهود الوطنية المسؤولة، حيث يؤدي انشغال أطراف التحالف بالمعارك الجانبية إلى تشتت الأولويات الوطنية وغياب التركيز المطلوب لتنزيل أورش الدولة الاجتماعية الملحّة ومواجهة التقلبات الاقتصادية المتتالية.
إن الاختلاف في الرؤى والبرامج داخل أي تحالف هو أمر طبيعي ودليل صحة ديمقراطية، لكن عندما يتحول هذا الاختلاف إلى صراع شخصي وتراشق علني بالتهم عبر وسائل الإعلام والمهرجانات الخطابية، فإن المتضرر الأول والأخير هو الوطن والمواطن الذي منح هذه الحكومة ثقته لتنفيذ التعهدات وتدبير الأزمات، لا لخوض معارك استنزافية لا تسمن ولا تغني من جوع. ويعكس هذا التنافر المتزايد ضعف قنوات الحوار الداخلي وتراجع مبدأ التضامن الحكومي المسؤول الذي يفترض الدفاع عن القرارات والخيارات الجماعية، بدلاً من التنصل منها أو إلقاء اللائم على الشركاء السياسيين عند أول اختبار جماهيري.
تقتضي المصلحة الوطنية العليا في هذه الظرفية الدقيقة التسامي عن الحسابات الحزبية الضيقة والرهانات الانتخابية المبكرة، فالاستمرار في هذا الشد والجذب يبعث إشارات سلبية تنال من ثقة المواطنين في المؤسسات، وتخلق حالة من التوجس لدى المستثمرين والشركاء الاقتصاديين. لذا، فإن هذا النداء الصادق يتجه مباشرة إلى جميع مكونات الأغلبية للتداعي فوراً إلى تفعيل ميثاق الأغلبية بشكل عملي وصارم، ونقل النقاشات والخلافات التقنية من المنصات الإعلامية إلى مكاتب الاجتماعات المغلقة، مع الالتزام بميثاق أخلاقي ينهي السجالات العلنية ويضمن الانضباط والتضامن التنفيذي.
إن المرحلة لا تحتمل مزيداً من هدر الزمن السياسي والتنموي في مناكفات هامشية، وقد حان الوقت ليعلو صوت العقل والمسؤولية الوطنية داخل مكونات الحكومة من أجل إعادة بناء الانسجام التنفيذي وجعل حصيلة الإنجازات الملموسة في الميدان هي لغة التواصل الوحيدة مع الشارع، فالجميع ينتظر حلولاً واضحة لواقع يزداد صعوبة، ولا أحد يملك ترف الانتظار حتى تنتهي صراعات الإخوة الفرقاء.



