
يسير البلغيتي
لم تكن وثائق المواثيق الأغلبية في التاربخ السياسي الحديث سوى “هدنة مشروطة” تتنفس بها التحالفات حتى تقترب لحظة الحقيقة لحظة دخول موسم الإقتراع وعودة منطق “كل حزب لفرده”. مع اقتراب موعد الإنتخابات تعود المشاهد المتكررة لتسود المشهد نبرة التراشق لتسقط خطوط الدفاع المشترك ويصير شركاء الذين تقاسموا طاولة المجلس الحكومي لسنوات يجدون أنفسهم في خطوط المواجهة الأولى.
تحول من “التضامن” إلى “التبرؤ” مع العلم انه في
الأدبيات السياسية يُفترض أن يُشكل الميثاق الحكومي وثيقة أخلاقية وسياسية تضمن انسجام مكونات الأغلبية وتماسكها الدفاعي أمام معارضة متربصة. غير أن حسابات الصناديق تفرض منطقاً مختلفاً فالأحزاب المكونة للحكومة تُدرك تماماً أن نزولها للشارع برداء واحد لن يُكسبها أي قيمة مضافة أمام الناخب.
وهنا يبدأ التكتيك التكتلي في التفكك عبر مستويين رئيسيين:
السطو على الإنجازات: يسعى كل مكون حزبي إلى نسج النجاحات الحكومية حول وزرائه وبرامجه الخاصة، وتسويق المبادرات الاجتماعية أو الاقتصادية الكبرى باعتبارها مكاسب حصرية لبتّيه السياسي.
التنصل من الإخفاقات: عند مواجهة الملفات الحارقة – كغلاء الأسعار، أو عجز التعديلات القطاعية، أو أزمات التشغيل – تتحول طاولة التحالف إلى منصة لتبادل الاتهامات، حيث يُسارع كل طرف لإلقاء اللوم على القطاعات التي يديرها حلفاؤه.
تصادم البرامج ورهانات الصدارة
إن العلة الأساسية لتهاوي المواثيق الحكومية عشية الانتخابات لا تعود فقط إلى الرغبة في التملص من حصيلة الممارسة، بل إلى الصراع الاستباقي على الصدارة. التحالفات السياسية تُبنى في غالب الأحيان على تسويات إيديولوجية وبرامجية مؤقتة، لكن عندما يُفتح باب الترشيح، تعود التمايز الهيكلية للظهور.
تتحول المنصات الانتخابية إلى ساحة لاستعراض العضلات، حيث يتبارى الشركاء المفترضون في تقديم وعود يناقض بعضها البعض، مما يضع الناخب أمام مفارقة عجيبة: كيف لأحزاب قادت البلاد عبر برنامج حكومي موحد أن تطرح اليوم خيارات اقتصادية واجتماعية متضاربة كلياً؟
بين أخلاقيات الميثاق وحتمية المنافسة
يرى محللون سياسيون أن هذا السلوك، وإن كان يخدش مصداقية العمل الحكومي ويُضعف ثقة المواطن في النجاعة السياسية، إلا أنه يمثل ممارسة شبه حتمية في الأنظمة الديمقراطية القائمة على التعددية وسيطرة الاقتراع اللائحي. الأحزاب السياسية كائنات قائمة على البقاء والتوسع، وأي حزب يُضحّي بفرصه الانتخابية في سبيل الحفاظ على “شكليات التضامن” مع حلفائه يُغامر برصيده الانتخابي وبموقعه في خريطة المستقبل.
يبقى السؤال المطروح عقب كل استحقاق: هل تصمد المبادئ الأخلاقية للمواثيق الحكومية أمام جشع المقاعد البرلمانية؟ الواقع السياسي يثبت مراراً أن الميثاق الحكومي يُكتب بحبر الالتزام في بداية الولاية، لكنه يُمسح بفرشاة الحملات الانتخابية بمجرد أن تُقرع طبول الاقتراع.



