عندما يُغلب الإيمان عاطفة الأبوة: كيف أسست حادثة الإفك وموقف الصديق لفلسفة العفو المطلق؟

يسير البلغيتي9 سبتمبر 2026آخر تحديث :
عندما يُغلب الإيمان عاطفة الأبوة: كيف أسست حادثة الإفك وموقف الصديق لفلسفة العفو المطلق؟
عندما يُغلب الإيمان عاطفة الأبوة: كيف أسست حادثة الإفك وموقف الصديق لفلسفة العفو المطلق؟

يسير البلغيتي

​تظل السيرة النبوية زاهرة بالمواقف التي تتجاوز التنظير الأخلاقي لتتجسد واقعاً حياً يختبر صلابة المبادئ، ولعل حادثة الإفك التي هزت المجتمع المدني في أعقاب غزوة بني المصطلق تُعد واحدة من أشد تلك الاختبارات وأعمقها إنسانية. لم تكن القصة مجرد شائعة افتراها رأس النفاق عبد الله بن أبيّ بن سلول وطالت شرف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بل كانت بلاءً مبيناً مسّ بيت النبوة وبيت أوفى الصحابة وأقربهم: أبا بكر الصديق.

​وفي غمار تلك الأزمة التي استمرت شهراً كاملاً من الألم والترقب، انساق بعض المسلمين خلف تلك الشائعة بجهل وضعف، وكان من بينهم مسطح بن أثاثة رضي الله عنه؛ وهو ابن خالة أبي بكر، ومن المهاجرين الذين شهدوا بدرًا، وكان فقيراً يعيش على نفقة الصديق وإحسانه. وعندما تنزلت آيات سورة النور لتعلن براءة عائشة وتطهر بيت النبوة من الرجس، انفجرت مرارة الجرح في صدر الأب المفجوع. كيف لرجل أطعمه وكفله وخالطه بالمعروف أن يطعنه في أخص خصوصياته وعرضه؟

​من هنا، جاء رد الفعل الإنساني الطبيعي؛ أقسم أبو بكر الصديق يميناً قاطعة ألا ينفق على مسطح بن أثاثة ولا يسد فاقته أبداً. كان تصرفاً يراه أي منطق بشري حقاً مشروعاً ومبرراً، فلا يُكلف إنسان برعاية من آذى أهله وأساء إلى شرفه.

​لكن القرآن الكريم جاء ليرسي معياراً أعلى من العدل المجرد، معياراً يرتقي بالإنسان إلى سماء الإحسان. تنزلت الآية الكريمة لتخاطب أبا بكر وكل من يسير على نهجه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

​لم يتضمن الخطاب الإلهي تعنيفاً للأب المكلوم، بل بدأ بتذكيره بمكانته العالية (أُولُو الْفَضْلِ)، ثم ربط العفو الخشبي بالصفح المتبادل عن طريق سؤال هز أركان وجدانه: “أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؟”.

​لم يستغرق الصديق لحظة واحدة في التفكير أو التردد، وبكى قائلاً: “بلى والله، إنا لنحب أن تغفر لنا يا ربنا”. وفي التو والساعة، أرجع النفقة إلى مسطح، بل وزاد عليها وقسم ألا ينزعها منه أبداً. لقد كسر أبو بكر الصديق كبرياء النفس وغضب الأبوة لمصلحة العفو والصفح، ليثبت أن العظمة الحقيقية لا تتجلى في التشفي والانتصار للذات، بل في القدرة على الإحسان لمن أساء، والتسامي على الجراح من أجل مرضاة الله.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.