
يسير البلغيتي
تأتي مرحلة تشكيل الحكومة عقب الانتخابات التشريعية لعام 2026 محملة بأسئلة حارقة لدى الشارع المغربي؛ أسئلة تتجاوز الحسابات العددية والتحالفات الحزبية المعتادة لنيل أغلبية المقاعد (198 مقعدًا)، لتلامس صلب الحياة اليومية للمواطنين ورصيدهم الثقافي والقيمي.
خلال الولاية الحكومية السابقة، عاش المواطن المغربي تجربة قاسية مع غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المواد الأساسية واللحوم، وبروز ظواهر شبكات المضاربة والسماسرة (المعروفين شعبياً بالشناقة أو “الفراقشية”). هذه التحديات المعيشية تركت أثراً عميقاً في القدرة الشرائية للفئات الوسطى والهشة، مما جعل الملف الاقتصادي والاجتماعي المحرك الأبرز للرأي العام.
مع انطلاق التكهنات بشأن شكل الأغلبية الجديدة الشريكة في التدبير، يمتد نقاش الشارع نحو أبعاد أخرى تتعلق بالهوية والقيم. فبينما يرى الساعون لتبني أفكار حداثية وإصلاحات تشريعية قادمة أن المرحلة تتطلب ملاءمة القوانين والتشريعات المحلية مع متطلبات العصر والتغيرات الديمغرافية، ينظر جانب واسع من المجتمع إلى هذه المبادرات بوجس وحذر، مخافة المساس بالمرجعيات الثقافية والدينية الراسخة التي طالما شكلت النواة الصلبة للهوية المغربية الجامعة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه أي تشكيل حكومي مرتقب لا يقتصر فقط على تقديم حلول جذرية لمعضلة الغلاء واحتكار الأسواق وتفكيك شبكات الريع، بل يمتد ليشمل إحداث توازن دقيق ومسؤول؛ توازن يضمن تحقيق التنمية وتحديث المؤسسات، دون صدام مع المشترك الثقافي والروحي للبلاد. فالمجتمع المغربي، بقدر حاجته الماسة لحماية قفته وقدرته الشرائية، يظل شديد الحرص على حماية قيمه ومقوماته الحضارية الأصيلة.



