المفارقة المحرمة: كيف يلتقي اليسار الراديكالي مع الإسلام السياسي؟

يسير البلغيتي28 سبتمبر 2026آخر تحديث :
المفارقة المحرمة: كيف يلتقي اليسار الراديكالي مع الإسلام السياسي؟
المفارقة المحرمة: كيف يلتقي اليسار الراديكالي مع الإسلام السياسي؟

قراءة في الجذور الأيديولوجية والتقاطعات الجيوسياسية بين نقيضين فكريين

في الظاهر، يبدو التباين بين اليسار الراديكالي وتيارات الإسلام السياسي كافياً لخلق قطبين لا يلتقيان أبداً؛ فالأول يستند إلى مادية تاريخية ورؤية علمانية صارمة للمجتمع، بينما يستمد الثاني مشروعية وجوده من المرجعية الدينية والشرعية الإلهية. غير أن القراءة العميقة للتحولات السياسية الدولية والتحالفات الميدانية تكشف عن ظاهرة لافتة يُطلق عليها الفلاسفة والمحللون “المفارقة المحرمة”؛ وهي منطقة التماس القوية التي يتقاطع فيها الراديكاليان ضد خصم مشترك.

تُشكل هذه الظاهرة إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في العلوم السياسية المعاصرة، حيث تثير تساؤلات جوهرية حول الحدود الفاصلة بين الأيديولوجيا والبراغماتية السياسية: كيف يمكن لمنظومتين فكريتين تحملان رؤى متناقضة كلياً حول حريات الأفراد وطبيعة الدولة ومصدر التشريع أن تصطفا في خندق واحد عند محطات مفصلية؟

أولاً: الخصم المشترك والعداء للإمبريالية

تُمثل رؤية العالم عبر عدسة “المركز والأطراف” نقطة الارتكاز الأساسية لتلاقي اليسار الراديكالي مع الإسلام السياسي. كلا التيارين ينظر إلى النظام الغربي الهيمني — وبشكل خاص الرأسمالية العالمية والتوسع الإمبريالي — بصفته المهدد الأول والمصدر الرئيسي للأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العالم.

مناهضة الرأسمالية والعولمة: اعتبار العولمة الغربية أداة لاستنزاف الشعوب وطمس الهويات الثقافية.

الموقف من حركات المقاومة: يرى اليسار الراديكالي في بعض التيارات الإسلامية المسلحة طليعة لمواجهة الإمبريالية، بغض النظر عن خلفيتها العقدية.

معاداة النخب النيوليبرالية: رفض المؤسسات المالية الدولية وتأثيراتها الهيكلية على الشعوب.

بالنسبة لليارس الراديكالي، تُعد معارضة الهيمنة الغربية أولوية استراتيجية تتقدم أحياناً على الخلافات الفكرية والاجتماعية. وبناءً على ذلك، يتم إعادة تأطير تيارات الإسلام السياسي — في بعض الأدبيات اليسارية الحديثة — كـ “حركات تحرر وطني” أو “رد فعل طبيعي ضد الاستعمار الحديث”، مما يمنحها مشروعية داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية اليسارية.

ثانياً: مفهوم “اليسار الإسلامي” والتحالف الميداني

لم يكن هذا التلاقي مجرد تقارب نظري، بل تجسد عملياً في محطات تاريخية وسياسية متعددة. فقد ظهر مفهوم “اليسار الإسلامي” أو ما يُعرف بـ “الإسلاموية اليسارية” (Islamism-Leftism) في محاولة لجسر الفجوة بين العدالة الاجتماعية اليسارية والمنظومة الأخلاقية الإسلامية.

“تنشأ التحالفات الراديكالية ليس بالضرورة بناءً على التوافق في البناء الفكري، بل بناءً على وحدة الهدف التكتيكي في تفكيك البنى القائمة.”

وتتجلى هذه الحركة في التظاهرات والمحيطات الأكاديمية والميادين العامة، حيث يشارك اليسار الراديكالي جنباً إلى جنب مع المنظمات الإسلامية في المسيرات المناهضة للحرب، والمطالبة بفك الحصار عن الشعوب المظلومة، وفي حملات المقاطعة الاقتصادية. وفي هذا السياق، يتنازل اليسار مؤقتاً عن نقده الاجتماعي للدين، بينما يستفيد الإسلاميون من الجاهزية التنظيمية والشعبية التي يمتلكها اليسار في الأوساط الغربية والجامعية.

ثالثاً: حدود التحالف والتعارض البنيوي

رغم هذا التقارب الظاهري في المواقف السياسية الخارجية، يظل التحالف بين اليسار الراديكالي والإسلام السياسي محكوماً بالتناقضات الجذرية التي لا يمكن ردمها عند الانتقال من مرحلة “المعارضة والمقاومة” إلى مرحلة “إدارة الدولة والسلطة”:

مفهوم الدولة والمجتمع: يهدف اليسار الراديكالي إلى إعادة هيكلة المجتمع بناءً على المساواة الطبقية والعلمانية المطلقة، بينما يسعى الإسلام السياسي إلى تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الدينية.

الحريات الفردية وحقوق الإنسان: تشكل قضايا الحريات الفردية، وحقوق المرأة، والتنوع الثقافي نقاط تصادم حتمية؛ إذ يعتبرها اليسار حقوقاً أصيلة لا تنازل عنها، في حين يرسم الإسلام السياسي حدودها وفق الضوابط الشرعية.

التجربة التاريخية: أثبتت التجارب التاريخية (كما حدث في الثورة الإيرانية عام 1979) أن التحالف بين التيارين غالباً ما ينتهي بصدام دامي بمجرد تمكن أحد الطرفين من مفاصل الحكم.

خاتمة: زواج مصالح أم ضرورة مرحلية؟

تظل “المفارقة المحرمة” نموذجاً صارخاً لديناميكية السياسة وتفوق البراغماتية والمصالح الميدانية على النقاء الأيديولوجي. إن التقاء اليسار الراديكالي بالإسلام السياسي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج لظروف جيوسياسية وضغوطات العولمة التي فرضت على أطراف معارضة للنظام الدولي الحالي البحث عن مساحات مشتركة.

ومع ذلك، يبقى هذا التلاقي تحالفاً هشاً ومرحلياً، محكوماً بسقف أهداف مشتركة تقتصر على “الهدم والرفض”، دون أن يمتلك الرصيد الفكري المشترك القادر على إقامة مشروع بناء مجتمعي موحد ومستدام.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.