
منير حمزاوي
في يوم يفترض أن تكون فيه الكلمة الأخيرة للناخب، لا للصوت المرتفع ولا للمال ولا للوسيط، بدت بعض مكاتب التصويت في منطقة مولاي رشيد بالدار البيضاء، صباح اليوم، محاطة بأجواء أثارت استياء عدد من المواطنين.
المشهد يبدأ خارج مكتب التصويت، قبل أن يصل الناخب إلى الصندوق.
أشخاص يتحركون في محيط مراكز الاقتراع، يراقبون الوافدين، يتبادلون الاتصالات، ويتحدثون مع المواطنين. بعضهم، وفق شهادات من عين المكان، يحاول معرفة توجهات الناخبين والتأثير في اختياراتهم قبل دخولهم إلى مكاتب التصويت.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد حديث عابر في الشارع، لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يتحول إلى محاولة مباشرة لاستمالة الناخب أو الضغط عليه في اللحظات الأخيرة.
ففي الانتخابات، هناك مساحة يفترض أن تكون مقدسة: المسافة التي تفصل المواطن عن قراره.
ذلك القرار الذي يتخذه بعيداً عن أعين الآخرين، وبعيداً عن أي محاولة لمعرفة ماذا سيضع في ورقة التصويت.
غير أن شهادات متداولة من المنطقة تتحدث عن محاولات لممارسة هذا النوع من الضغط، وعن أشخاص يتقربون من بعض الناخبين، خصوصاً من كبار السن أو من يبدون في حاجة إلى المساعدة، قبل أن يتحول “التوجيه” إلى محاولة للتأثير على الاختيار.
وتتحدث إفادات أخرى عن توزيع أوراق تحمل رموز بعض المرشحين بالقرب من مراكز التصويت، فيما وردت ادعاءات أخطر تتعلق بمحاولات إقناع بعض الناخبين بتصوير ورقة التصويت مقابل المال.
هذه الادعاءات، بطبيعة الحال، تظل بحاجة إلى توثيق وتحقيق من الجهات المختصة، لكن مجرد تداولها في محيط مكاتب التصويت كافٍ لطرح أسئلة جدية حول مدى احترام قواعد المنافسة الانتخابية وسرية الاقتراع.
فالانتخابات ليست فقط لحظة وضع الورقة داخل الصندوق.
الانتخابات تبدأ قبل ذلك بكثير، من الطريق المؤدي إلى مركز التصويت، ومن الطريقة التي يُستقبل بها المواطن، ومن قدرته على الوصول إلى المكتب دون أن يشعر بأن هناك من يراقبه أو ينتظر منه موقفاً معيناً.
وهنا تبرز مسؤولية السلطات والجهات المكلفة بتأمين العملية الانتخابية.
المطلوب ليس فقط ضمان الهدوء داخل مكاتب التصويت، وإنما أيضاً الانتباه إلى ما يجري في محيطها، والتعامل مع أي سلوك يمكن أن يشكل ضغطاً أو تأثيراً غير مشروع على الناخبين، وفق ما يسمح به القانون.
كما أن المواطنين أنفسهم مدعوون إلى التبليغ عن أي مخالفة يملكون بشأنها معطيات واضحة، بدل الاكتفاء بتداولها في الشارع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
في المقابل، من الضروري أيضاً عدم تحويل كل وجود في محيط مراكز الاقتراع إلى اتهام، وعدم إطلاق أحكام نهائية دون أدلة. فاحترام العملية الانتخابية يعني كذلك احترام القانون، والتحقق من الوقائع، وعدم إدانة أي طرف بناءً على ادعاءات غير مثبتة.
الناخب ليس ورقة في يد أحد، وصوته ليس سلعة، وقراره لا ينبغي أن يكون موضوع مساومة.
مولاي رشيد، مثلها مثل أي منطقة أخرى، تستحق أن تمر العملية الانتخابية في أجواء تحترم المواطن وتحمي حقه في الاختيار الحر.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الأقرب إلى الناخب هو السمسار، ولا الهاتف الذي يراقب اختياره، ولا اليد التي تحاول توجيه صوته.
الأقرب إلى الناخب يجب أن يكون القانون، والأبعد عنه يجب أن يكون كل شكل من أشكال الضغط أو الإغراء أو التخويف.
أما الصندوق، فوظيفته بسيطة وواضحة: أن يستقبل إرادة المواطنين، لا أن يكون شاهداً على محاولات التأثير فيها



