بقلم : بوشعيب هارة
في مشهد يعكس حيوية النقاش الترابي ورهانات القرب التنموي، شكّل اجتماع اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الذي ترأسه عامل عمالة المحمدية السيد عادل المالكي، مناسبة بارزة أماط فيها السيد سعيد التومي، نائب رئيس مجلس جماعة عين حرودة، اللثام عن جملة من الاختلالات الميدانية والإكراهات البنيوية التي تعرقل الإقلاع الاجتماعي والاقتصادي بالمنطقة.
ومع أن مداخلة التومي جاءت في إطار تقييم الحصيلة ومساءلة المشاريع بشتى جماعات الإقليم –خلال اللقاء التواصلي المنعقد بجماعة بني يخلف والذي وصفه بـ “الخطوة النيرة” المنسجمة مع التوجيهات الملكية السامية– إلا أنها تجاوزت الطابع البروتوكولي لتتحول إلى “مرافعة جريئة” تلمس نبض الشارع وتستجيب لتطلعات الفاعلين الاقتصاديين والشباب والناشئة.
1. معضلة “المقرات والعتاد”: حجر عثرة في وجه الاقتصاد الاجتماعي والتضامني
لعل أبرز ما طبع كلمة نائب رئيس جماعة عين حرودة هو تسليط الضوء على مفارقة مقلقة في مسار النهوض بالتعاونيات والجمعيات النشيطة؛ فبينما تتكاثر المبادرات الطموحة وتقدم حاملو المشاريع بملفات واعدة أمام اللجان المختصة، تصطدم هذه الطاقات بجدار إداري وميداني يتمثل في “شرط المقر والتجهيزات الأساسية”.
وأوضح التومي أن غياب فضاءات قارّة وجهاز مجهز يفرّغ العديد من المشاريع التنموية من محتواها، ويؤدي إلى رفضها المتكرر، رغم جدارتها الاقتصادية وقدرتها على خلق فرص الشغل. هذا الوضع يطرح تساؤلات حارقة حول مدى ملاءمة المعايير الحالية للواقع السوسيو-اقتصادي للمناطق الحضرية وشبه الحضرية.
حل بديل: استثمار “الموروث التعليمي المغلق”
كتدبير عملي يتسم بالبراغماتية واستثمار الخصوصيات المجالية لعين حرودة، اقترح التومي مقاربة ذكية تقضي بإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية المغلقة أو تلك التي تعرف فائضا وتفتقر للاستغلال الأمثل، وتحويلها إلى أقطاب وحاضنات للمشاريع الصغرى ومقرات للتعاونيات. وهو مقترح يرمي إلى ضرب عصفورين بحجر واحد: تثمين الممتلكات العمومية، وتوفير حاضنات جاهزة ومجانية أو رمزية لاحتضان طاقات الشباب.
2. القطاع التعليمي: مفارقة “المؤسسات الرائدة” وضرورة سد الخصاص
لم يقف التشخيص عند حدود الاقتصاد الاجتماعي، بل امتد ليشمل عصب التنمية البشرية؛ أي المنظومة التعليمية والتكوينية. وهنا، أبدى التومي استغراباً مشفوعاً بالحسرة من رفض بعض المشاريع والمبادرات الموجهة لـ “المؤسسات التعليمية الرائدة” بالمنطقة.
وشدد المسؤول الجماعي على أن المدارس والؤسسات التكوينية بعين حرودة تعاني خصاصاً بنيويّاً ملموساً يستوجب استنفاراً مؤسساتياً، داعياً إلى تسريع وتيرة الترخيص والدعم وفق مساطر مرنة تضمن تكافؤ الفرص وتوسيع قاعدة استفادة التلاميذ والطلاب، بعيداً عن التعقيدات الإدارية التي تبطئ عجلة الإصلاح المدرسي.
3. عدالة الولوج إلى الخدمات: ملتمس لإحداث ملحقة لمنصة الشباب
على صعيد آخر، استأثر ملف منصة الشباب بحيز هام من المرافعة، باعتبارها رافعة أساسية للإدماج المهني ودعم ريادة الأعمال. وسجّل التومي بارتياب انعكاسات نقل المقر الرئيسي للمنصة، والذي أفرز عزوفاً نسبياً وضعفاً في استقطاب شباب عين حرودة، نظراً لعائق التنقل وبعد المسافة.
وفي هذا السياق، رفع نائب رئيس الجماعة ملتمساً رسمياً ومباشراً إلى السلطات الإقليمية، على رأسها عامل الإقليم، قصد إحداث ملحق إضافي لمنصة الشباب داخل النفوذ الترابي لجماعة عين حرودة. ويهدف هذا الإجراء إلى تقريب خدمات التوجيه، والمواكبة، وتمويل المشاريع من أبناء المنطقة، وتنزيل فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في جيلها الثالث بأبعادها القريبة من المواطن.
خلاصة وقراءة تحليلية
تؤكد مداخلة السيد سعيد التومي أن التنمية المحلية بعين حرودة لا يمكن أن تبلغ مآملها بمعزل عن مقاربة تشاركية جريئة تروم تفكيك العقد الإدارية والميدانية. فبين مقترح تحويل المدارس غير المستغلة إلى حاضنات للتعاونيات، والمطالبة بمرونة أكبر في دعم قطاع التعليم، والدفع باتجاه لا مركزية خدمات منصة الشباب، يضع المجلس الجماعي الأصبع على الجرح، مراهناً على تدخلات إقليمية عاجلة لتحويل الإكراهات إلى فرص حقيقية للتنمية المستدامة.



