حين تتحول دروع الأمان إلى نوافذ للتجاوز : سد عكراش يضع معايير الممارسة الميدانية على محك المساءلة

ديسبريس28 أكتوبر 2026آخر تحديث :
حين تتحول دروع الأمان إلى نوافذ للتجاوز : سد عكراش يضع معايير الممارسة الميدانية على محك المساءلة

بقلم : فاطمة بعيون

​في دولة المؤسسات وسيادة القانون، تُبنى المنظومة الأمنية أساساً على معادلة دقيقة قوامها حماية الأرواح والممتلكات، وصون كرامة المواطن وحقوقه الأساسية. فالسدود القضائية والأمنية، بمختلف تلويناتها، وُجدت لتكون صمام أمان وحصناً منيعاً ضد التهديدات، ومحطة لانسيابية الطمأنينة في شرايين الطرقات. غير أن هذا الدور النبيل يفقد معناه الأسمى حين تُفرغ الممارسات الميدانية من محتواها الحقوقي والأخلاقي، لتتحول في بعض الأحيان إلى فضاءات تسجل فيها تجاوزات سلوكية واحتكاكات غير مبررة مع المسافرين.

​ولعل الناظر إلى ما وثقته المعاينات الميدانية يعيد طرح إشكالية التكوين والتأطير المؤطر لعمل العناصر الواقفة على خطوط التماس الأولى مع المواطنين. ففي تاريخ 27 أكتوبر 2026، وعلى تمام الساعة السابعة والنصف مساءً (19:30)، شهد السد الأمني بعكراش توقفاً جماعياً لأكثر من حافلة تابعة لشركات النقل الطرقي بين المدن – من بينها حافلات تابعة لشركة “أسفار الصحراء” (بريستيج الصحراء) – حيث تحولت عملية المراقبة العادية إلى مشهد توتر مشحون.

​فقد اندلعت في عين المكان مشادات كلامية حادة ومسنونة بين سائقي الحافلات ورجال الأمن، على خلفية طريقة الإيقاف والتعاطي الميداني التي فجّرت حالة من الارتباك الواسع. هذه النقاشات المتوترة طبعتها في كثير من الأحيان لغة خشنة وتصرفات تفتقر لأبسط قواعد اللياقة والتعامل المهني الرصين. ولم تقتصر هذه التجاوزات على الطابع الإداري البحت لإجراءات التفتيش، بل تجاوزتها إلى التلفظ بعبارات نابية ونابية بامتياز من طرف بعض العناصر الأمنية في معرض نقاشهم الحاد مع السائقين، في مشهد يعكس فهماً قاصراً لطبيعة الوظيفة الأمنية التي ينبغي أن تتسم بالحزم المقرون بالاحترام والرزانة.

​إن الخطورة في هذه الممارسات لا تكمن فقط في طابعها المعزول، بل في تأثيرها المباشر على كرامة المواطنين وعموم المسافرين الذين وجدوا أنفسهم – وسط صخب تلك المشادات – عرضة لخطاب مهين وتهميش متعمد لخصوصيتهم. فالنساء المسافرات، على وجه الخصوص، كنَّ في قلب هذه الاحتكاكات، حيث غاب عنها أي تقدير لظروفهن أو اعتبار لخصوصيتهن، في تناقض صارخ مع التوجيهات الرسمية والمواثيق المهنية التي تفرض اللباقة وحسن المعاملة، وتجنب كل ما من شأنه المساس بآدمية المواطن. إن غياب هذا الاعتبار في لحظات التفتيش والتدقيق يعبر عن خلل بنيوي في التواصل الميداني، حيث تتقدم نزعة الاستعلاء على منطق المرفق العام في خدمة المواطن وحمايته.

​من هنا، يصبح من الضروري بمكان إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن بمفهومه الإنساني الشامل؛ فاستتباب النظام العام لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الثقة المتبادلة واحترام القوانين المنظمة للحقوق والحريات. وإذا كانت الضرورات الميدانية تبيح اتخاذ إجراءات المراقبة الصارمة، فإنها لا تبرر بأي حال من الأحوال الدخول في مشادات مهينة ولا تقبل المساس بالكرامة الإنسانية، سواء في حق المهنيين السائقين أو عموم المرتفقين.

​إن ما جرى في السد الأمني بعكراش يستدعي وقفة تدقيق ومساءلة من قِبل الجهات المعنية، عبر تشديد الرقابة الإدارية، وإخضاع العناصر الميدانية لتكوينات مستمرة تُعلي من شأن حقوق الإنسان وأخلاقيات المهنة. فالمؤسسات الحقيقية هي التي تقاس هيبتها بقدرتها على إنفاذ القانون باحترام، وصون أمن الناس دون الانتقاص من كرامتهم، حتى لا تتحول الفضاءات الطرقية من محطات للعبور الآمن إلى مساحات للامتعاض وخيبة الأمل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.