بقلم : يسير البلغيثي
بين مطرقة التضييق على الأصوات الإصلاحية وسندان اختلالات بنية استشفائية تعاني في صمت، أطلقت قضية الطبيب والباحث الدكتور رشيد شرقاب صدمة جديدة في المشهدين الحقوقي والصحي بالمغرب. فقد أعاد الحكم القضائي الصادر في حقه الواجهة الإعلامية والجماهيرية، ليفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حارقة حول مآلات حرية التعبير للأطر الكفؤة التي تختار دق ناقوس الخطر عوض الانخراط في سياسة الهروب للأمام.
حرية التعبير في مهب الريح.. حين يُقَابَل النقد بالمتابعة القضائية
إن ما وقع في قضية الطبيب رشيد شرقاب يُمثل، وبكل أمانة صحفية، منعطفاً مقلقاً في التعاطي مع الأصوات المهنية التي تجرؤ على كشف المستور ونقل معاناة الميدان الطبي إلى الرأي العام. فعوض أن تُستثمر آراء وملاحظات أطر الكفاءات الطبية كخارطة طريق للإصلاح وتقويم الاعوجاج، جرى تحويل منصات النقاش والتعبير إلى ساحة للمتابعات القضائية والأحكام التي تثير الكثير من علامات الاستفهام.
إن الانتقاد البناء والمستند إلى الغيرة الوطنية والمهنية ليس جريمة تُعاقب عليها الكفاءات، بل هو حق دستوري وركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي يسعى لبناء منظومة شفافة ومسؤولة. وإن تكميم أفواه الأطباء والمختصين عبر أحكام قاسية أو زجرية لا يخدم مصلحة الوطن، بل يكرس ثقافة الخوف والتردد، ويدفع النخب الطبية نحو الانكفاء أو الهجرة، وهو ما يفرغ المستشفيات العمومية من طاقات هي في أشد الحاجة إليها.
القطاع الصحي بالمغرب.. اختلالات بنيوية تحت المجهر
لا شك أن قضية الدكتور شرقاب لم تكن سوى قطرة أفاضت كأس غليان متراكم داخل القطاع الصحي. فالواقع المعيش داخل المستشفيات والمراكز الاستشفائية بالمغرب ينطق بتحديات هيكلية عميقة؛ بدءاً من الخصاص الحاد في الأطر الإدارية والطبية، مروراً بنقص التجهيزات الحيوية، وصولاً إلى ظروف العمل المزرية التي تثقل كاهل الطبيب والمريض على حد سواء.
إن الأزمات التي يعاني منها القطاع الصحي لا يمكن معالجتها بسياسة الهروب للأمام أو بمداراة العيوب عبر المقاربات الأمنية والقضائية. فالمريض المغربي اليوم، والطبيب المكافح في الصفوف الأمامية، هما الحلقة الأضعف في معادلة معقدة عنوانها الأبرز هو غياب الحكامة الجيدة وتردي الخدمات الأساسية. وحين يرتفع صوت من داخل المنظومة محذراً من هذه الاختلالات، فإن المنطق السليم يفرض فتح تحقيقات شفافة ومحاسبة الفساد والمتقاعسين، لا معاقبة من يجرؤ على كشف الحقيقة.
خريطة طريق نحو الإصلاح ورد الاعتبار
إن ما وقع يستوجب وقفة جادة ومسؤولة من طرف كافة المتدخلين في الشأن العام والقطاع الصحي بالبلاد. فلم يعد مقبولاً الاستمرار في نهج سياسة الأذن الصماء تجاه أصوات الغيورين على المرفق العمومي.
أولاً: بات لزاماً مراجعة الأحكام والمتابعات التي تستهدف حرية الرأي والتعبير للأطر الطبية والمهنية، وضمان بيئة عمل آمنة تحمي المبلغين عن الاختلالات والمدافعين عن حقوق المريض والطبيب على حد سواء.
ثانياً: وجب التعاطي مع ملفات القطاع الصحي بجرأة إصلاحية حقيقية، قوامها الإنصات لمطالب المهنيين وتوفير البنيات التحتية اللازمة لرد الاعتبار للمستشفى العمومي المغربي.
ثالثاً: ترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة الإدارية، بحيث تتحول تقارير وانتقادات الأطر الكفؤة إلى مداخل أساسية لتجويد الخدمات الصحية وتقويم الاعوجاج، بعيداً عن حسابات التضييق وتكميم الأفواه.
ختاماً، إن قضية الطبيب رشيد شرقاب هي اختبار حقيقي لمدى قدرة المنظومة على تقبل النقد البناء وحماية حرية التعبير. والتاريخ يثبت دوماً أن الأمم التي تحترم كفاءاتها وتصون حرياتها هي وحدها القادرة على بناء مستقبل واعد ومستدام.
قضية الطبيب رشيد شرقاب.. جرس إنذار يهز عرش حرية التعبير ويشرّح أزمات القطاع الصحي بالمغرب



