
بقلم : يسير البلغيتي
لم يعد الفضاء الأزرق مجرد منصة للتواصل الاجتماعي أو تنفيس الاحتقان، بل تحول في المشهد السياسي الحاضر إلى “برلمان شعبي مفتوح” تمتلك فيه المنشورات والتغريدات قوة رقابية تضاهي أعتى أجهزة المساءلة المؤسساتية. ولعل الواقعة الشاهدة على إقالة أو استقالة مسؤولين بارزين—من بينهم وزراء لم يعمّروا في مناصبهم سوى ساعات أو أيام معدودة—تطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود هذه السلطة الرقمية الجديدة، وكيف أضحى من وصفهم الوزير عبد اللطيف وهبي سابقاً بـ “سفهاء الفايسبوك” يملكون مفاتيح توجيه القرار السياسي، وإرباك الاستراتيجيات الحكومية في زمن قياسي.
تعود جذور هذه المفارقة إلى الخطاب السياسي الرسمي الذي سعى في محطات متعددة إلى التقليل من شأن الرأي العام الرقمي؛ حيث برز تصريح وهبي الشهير للتقليل من وزنه، واعتبار ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي مجرد “سفاهة رقمية” وضجيج لا ينبغي أن يوجه مؤسسات الدولة أو يؤثر في صناعة القرار. غير أن الواقع السريع أثبت عكس ذلك تماماً؛ إذ تحولت هذه المنصات إلى بنك معلومات مفتوح وسريع التداول، قادر على النبش في الأرشيف، واستدعاء السوابق، وتقصي الشواهد والملفات المسكوت عنها بفضل قدرة المستخدمين على البحث والتدقيق الرقمي الجماعي.
إن سقوط وزيرة أو مسؤول رفيع بعد وقت قصير من التعيين لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل هو مؤشر على تحول عميق في موازين القوى بين السلطة التنفيذية والمواطن الرقمي. فحين تنشر المنصات وثائق أو معطيات تمس بالأهلية والنزاهة والمسار الأكاديمي أو الأخلاقي لمنصب وازن، تضع صناع القرار أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التجاهل والمخاطرة ببدء الولاية الحكومية بشرخ عميق في المصداقية الشعبية، أو الاستجابة السريعة وتدارك الموقف عبر الإعفاء والإقالة لحماية صورة المؤسسات.
هذه الظاهرة تكشف أيضاً عن هشاشة قنوات “الفلترة والتقييم القبلي” للأسماء المرشحة لحمل الحقائب الوزارية والمسؤوليات الكبرى. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تمر هذه الاستحقاقات عبر تقارير استعلامات وتدقيق صارم يتفحص السجل العدلي والمهني والأكاديمي لكل مرشح، تأتي “التحريات الشعبية” عبر الفايسبوك لتقوم بذات الدور في ظرف 24 أو 48 ساعة فقط، مسجلةً بذلك تفوقاً غير متوقع في الكشف والتقصي السريع مقارنة بالآليات التقليدية.
ومع ذلك، تفتح هذه السلطة الافتراضية باباً واسعاً للنقاش حول أخلاقيات النشر، والخط الفاصل بين الممارسة الديمقراطية للرقابة الشعبية وبين الشائعات وتصفية الحسابات السياسية. فمن جهة، حققت هذه الرقمية مكاسب جليلة على مستوى تكريس الشفافية وفرض ربط المسؤولية بالمحاسبة والنزاهة. ومن جهة أخرى، باتت تطرح هواجس تتعلق بضغوط “المحاكمات الرقمية السريعة” التي لا تمنح المعنيين أحياناً حق الدفاع عن النفس في إطار المساطر القانونية والمؤسساتية الرسمية.
ختاماً، تُثبت الوقائع المتتالية أن مقولة “سفهاء الفايسبوك”—مهما كانت الدوافع والنوايا خلف إطلاقها من طرف عبد اللطيف وهبي أو غيره—قد تهاوت أمام واقع سيناريوهات السحب والإعفاء السريع. لقد أصبحت المنصات الرقمية سلطة خامسة حقيقية لا يمكن للطبقة السياسية تجاهلها أو الاستهانة بتأثيرها. إنها رسالة صريحة للفاعل السياسي بأن أساليب التدبير القديمة القائمة على التعيينات المغلقة والرهان على نسيان الشارع لم تعد مجدية، وأن أي مسؤول يستعد لاعتلاء منصب عام، عليه أولاً أن يتأكد أن صحيفته السابقة ملائمة للتفتيش والتدقيق تحت مجهر الرأي العام الرقمي.



