في ظل موجة الغلاء الحالية والرهانات المرتبطة بتحقيق الأمن الغذائي، يبرز قطاع استيراد أبقار الحلب كواحد من أكثر الملفات إثارة للجدل والنقاش في الأوساط الاقتصادية والمهنية بالمغرب. وتتجه الأنظار نحو الخلل البنيوي الذي يعاني منه هذا القطاع، وسط تقارير وشبهات تحوم حول ممارسات تجارية غير منضبطة تُثقل كاهل المنظومة الفلاحية وتلهب أسعار الحليب ومشتقاته.
1. هوامش ربح فلكية على حساب المستهلك
تشير المعطيات المتداولة في السوق إلى أرقام صادمة تتعلق بحجم الأرباح التي يجنيها بعض المستوردين، والتي تصل إلى حدود 15 ألف درهم صافية عن كل رأس بقرة واحدة. هذه الهوامش الكبيرة لا تعكس الطبيعة التجارية العادية لتأمين حاجيات السوق الوطنية فحسب، بل تُترجم وجود فجوة حادة بين التكلفة الحقيقية للاستيراد والثمن النهائي المعروض في السوق المحلية، مما ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي للقطاع الفلاحي بأسره.
2. مفارقة صارخة بين الأسعار الأوروبية والمحلية
تتجلى عمق الأزمة عند مقارنة الأسعار المعتمدة في الأسواق الأوروبية المصدرة، وتحديداً من دول وازنة في هذا المجال كفرنسا والدنمارك، وبين الأسعار التي يستقر عليها الوضع داخل المغرب. فعلى الصعيد الأوروبي، لا تتجاوز أسعار أبقار الحلب في الغالب سقف 24 ألف درهم، مع خضوعها لمعايير دقيقة للجودة والمواصفات. غير أن هذه الأبقار، بمجرد دخولها إلى السوق المغربية واستقرارها في ضيعات التسمين والحلب، تسجل قفزة صاروخية لتتراوح أثمنة بيعها ما بين 40 ألف و44 ألف درهم للرأس. هذا التضاعف المذهل في السعر يفتح باب التساؤلات على مصراعيه حول الأسباب الكامنة وراء هذا الفارق الكبير.
3. احتكار المقدرات و”تفرقيش” مسالك الاستيراد
يرجع العديد من المتتبعين والمهنيين هذا الارتفاع غير المبرر إلى ظاهرة حصر رخص استيراد الأبقار في أيدي عدد محدود جداً من الفاعلين. هذا التركيز الاحتكاري يمنح هؤلاء المستوردين سلطة مطلقة في التحكم في حجم العرض وتوجيه السوق وفق مصالحهم الخاصة، مبتعدين عن قواعد المنافسة الشريفة. وتؤدي هذه الوضعية إلى خلق ما يصطلح عليه محلياً بـ”التفرقيش”، حيث تتحكم شبكات ضيقة في سلاسل الإمداد، مما يحرم الفلاحين الصغار ومتوسطي مربي الماشية من الولوج المتكافئ لهذه الأبقار الحيوية.
4. الحاجة الماسة إلى إصلاحات رقابية عاجلة
أمام هذا الوضع المقلق، تزداد المطالب الموجهة إلى الجهات الحكومية والرقابية المختصة بضرورة التدخل الحازم. وتتضمن هذه المطالب فتح تحقيقات دقيقة حول مسالك استيراد أبقار الحلب، وتوسيع دائرة رخص الاستيراد لتشمل فئات وهيئات فلاحية أوسع، بما يكسر طوق الاحتكار ويخفض الكلفة. إن تصحيح مسار هذا القطاع حيوي ليس فقط لحماية القدرة الشرائية للمستهلك المغربي، بل لضمان استمرارية سلسلة إنتاج الحليب وتفادي أزمات هيكلية قد تضر بالسيادة الغذائية للبلاد.



