مشاحنات البرلمان وقبة الوصاية السياسية، حين يغيب “النفس الإصلاحي” في معترك البرنامج الحكومي

يسير البلغيتي23 أكتوبر 2026آخر تحديث :
مشاحنات البرلمان وقبة الوصاية السياسية، حين يغيب “النفس الإصلاحي” في معترك البرنامج الحكومي

بقلم : يسير البلغيتي

وتستمر ارتدادات الجلسة التشريعية العاصفة التي احتضنها مجلس النواب بمناسبة تقديم والتصويت على البرنامج الحكومي، لتسلط الضوء من جديد على عمق الهوة الحاصلة بين الخطاب الرسمي للأغلبية وبين تطلعات الشارع السياسي والحقوقي. فقد تحولت قبة البرلمان، التي مفترض فيها أن تكون مرآة نابضة لهموم المواطنين وساحة للنقاش الاستراتيجي الرصين، إلى حلبة لتبادل المشاحنات والملاسنات السريعة، ورفع الجلسات المتكرر لأسباب تنظيمية وإجرائية، مما أفرغ النقاش الدستوري من محتواه الجوهري وحوله إلى مشهد سيريالي يعكس أزمة تعاطٍ سياسي واضحة.

بين استمرارية الفشل ووعود “الدولة الاجتماعية”

لقد كشفت النقاشات المحتدمة بين الحكومة التي ترأس تدبيرها فاطمة الزهراء المنصوري وفرق المعارضة البرلمانية عن مفارقة عجيبة؛ فالحكومة تراهن بكل ثقلها على تسويق “الاستمرارية” باعتبارها فضيلة مؤسساتية تضمن تراكم الإنجازات، بينما ترى المعارضة في هذه الاستمرارية نفسها عنواناً بارزاً لـ”إعادة تدوير الأزمات” والاحتفاظ بأسماء وزارية طالها الانتقاد الشعبي والسياسي في تدبير قطاعات حساسة.

المعارضة لم تفتأ تؤكد أن البرنامج الحكومي جاء باهتاً، يفتقر إلى الإبداع السياسي والنفس الإصلاحي الخلاّق، ويفتقد للأجندة الزمنية الواضحة والآليات الدقيقة لتنزيل الوعود. فمن إشكاليات تضارب المصالح وتهديد القدرة الشرائية، مروراً بغياب الجرأة الحقيقية في محاربة الريع وملفات الإثراء غير المشروع، وصولاً إلى الارتباك الحاصل في معالجة القضايا الاجتماعية الحارقة، بدا البرنامج في نظر منتقديه وكأنه وثيقة تقنوقراطية باردة صُممت لتدبير اليومي لا لصنع التحولات الكبرى.

انتقاد لما وقع: حين يتراجع الأداء المؤسساتي لصالح “الاستعراض البرلماني”

إن ما وقع تحت قبة البرلمان خلال هذه المحطة الدستورية الهامة يستوجب وقفة نقدية متجردة، لاسيما وأن الممارسة السياسية المغربية تمر بمفترق طرق حاسم يتطلب تعزيز الثقة لا النفور منها:

سطحية السجال وغياب العمق: لقد آلم المتتبع الشأن العام أن تتحول جلسة مناقشة وثيقة مصيرية تحدد خارطة طريق البلاد لسنوات، إلى مشاحنات جانبية ومقاطعات متكررة أدت إلى رفع الجلسات مرات عديدة. هذا العبث الإجرائي يكرس شعور المواطن بأن الصراع الحزبي محصور في صراع مواقع ومكاسب ضيقة بعيداً عن نبض الشارع الفعلي.

أزمة الذاكرة السياسية: الملاحظ في المشهد هو تبادل الأدوار السريع؛ فمن كان بالأمس القريب يدافع عن سياسات معينة يصبح اليوم من أشرس منتقديها، والعكس صحيح. هذا التمترس الأعمى خلف الألوان الحزبية يفقد المؤسسات التشريعية مصداقيتها ويجعل المعارضة تبدو في كثير من الأحيان كأنها تعارض لمجرد المعارضة، والأغلبية تدافع تسبيحاً وبصمًا على الورق دون تمحيص.

أزمة التواصل وتدبير الجلسات: إن تكرار تعثر السير العادي للجلسات بسبب شكليات تنظيمية أو توترات جانبية يسيء لصورة المؤسسة التشريعية برمتها، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النخبة السياسية بحاجة ماسة إلى نقد ذاتي عميق يضع مصلحة البلاد فوق حسابات التراشق الإعلامي والانتصارات الوهمية.

أفق مغلق أم فرصة للمحاسبة؟

إن المصادقة على البرنامج الحكومي بالأغلبية العددية المعتادة، وإن كانت محسوبة ديمقراطياً من الناحية الشكلية والدستورية، إلا أنها تظل سياسياً محاصرة بسؤال الجدوى والأثر. فالرهان الحقيقي لا يكمن في مدى قدرة الأغلبية على حشد الأصوات لتمرير الوثائق، بل في قدرة هذه الحكومة على ترجمة الشعارات البراقة إلى أرقام وحقائق ملموسة تلامس جيب وقوت المواطن البسيط، وتعيد الاعتبار للعمل السياسي النزيل في خدمة التنمية والعدالة المجالية.

ما لم تستوعب النخبة السياسية، حكومة ومعارضة، أن المرحلة الحالية تفرض حAدّاً أقصى من اليقظة والمسؤولية بعيداً عن الشعبوية واستهلاك الوقت في التمشاحنات البائدة، فإن أزمة الثقة ستظل تتسع، لتتحول المؤسسات من فضاءات لصنع الأمل إلى مكاتب لتصريف خيبات الأمل المنتظرة.

مباشر.. جلسة عمومية لجواب الحكومة ثم التصويت على البرنامج الحكومي

توضح هذه اللقطات المصورة مجريات الأجواء الساخنة والمداخلات النيابية التي طبعت محطة المصادقة على البرنامج الحكومي داخل المؤسسة التشريعية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.