
بقلم : يسير البلغيتي
بينما كانت المدارس والجامعات تفترض أن تكون حصوناً منيعة لصحة الناشئة، تتحول ردهاتها وأبوابها بهدوء مريب إلى مسارح مفتوحة لاجتياح من نوع آخر؛ إنه “الوباء البخاري” المتمثل في السجائر الإلكترونية. ظاهرة زحفت كالتون البارد لتستوطن أصابع المراهقين والشباب، تاركة خلفها موجة من الهلع العارم داخل الأسر والمجتمع، وسط تساؤلات حارقة حول جدوى التدابير الردعية والجبائية أمام ماكينة تسويق لا تعرف الرحمة.
منصة “الموضة” وبريق النكهات: حصان طروادة للإدمان
لم يعد مستغرباً أن تقع العين المجردة على مراهقين لا تتجاوز أعمارهم مرحلة التعليم الإعدادي أو الثانوي وهم ينفثون غلالات كثيفة من البخار ذي الروائح الفواكهية والحلويات. لقد نجحت شركات التبغ، بذكاء شيطاني، في إعادة هندسة مفهوم التدخين، مستبدلة الرائحة المنفرة للتبغ التقليدي بنكهات جذابة وتصاميم أنيقة تشبه الأجهزة الذكية، تُسوق عبر منصات التواصل الاجتماعي ومؤثري الفضاء الرقمي بأساليب تستهدف عقول الأطفال والمراهقين مباشرة.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فقد ترسخت لدى الشباب “خرافة” مضللة مفادها أن السجائر الإلكترونية (الفايب) هي مجرد بديل آمن أو وسيلة حميدة للإقلاع عن التدخين التقليدي، أو حتى أداة ترفيهية خالية من المخاطر. غير أن الواقع الصحي يعكس تماماً هذا الوهم إذ تحذر المنظمات الصحية الدولية والخبراء من أن هذه الأجهزة ليست سوى “حصان طروادة” لإيقاع الأجيال الصاعدة في شباك إدمان مبكر للنيكوتين، ونافذة عبور محتومة نحو السموم التقليدية الأشد فتكاً.
عندما تصبح الأسر في قفص الاتهام والهلع
فهذا الانتشار المهول وغير المسبوق خلق حالة من الصدمة والهلع الحقيقي وسط العائلات والمجتمع. أسر بأكملها وجدت نفسها عاجزة أمام طوفان جارف يقتحم بيوتها دون إذن. تقول “فاطمة. ز”، أم لتلميذ يبلغ من العمر 15 سنة، وبصوت يغلبه القلق: “فوجئت بابني يعود برائحة غريبة، وحين فتشت محفظته عثرت على جهاز صغير أشبه بذاكرة تخزين رقمية.. لقد أصيب بالهلع حين واجهته، لكن الصدمة الكبرى كانت عندما اكتشفت أن نصف زملائه في القسم يتعاطونه جهاراً نهاراً، وكأن الأمر مجرد لعبة شطرنج أو استعراض عابر”.
هذا القلق المجتمعي لا يقتصر على الجانب الأخلاقي أو السلوكي فحسب، بل يغذيها شبح المخاطر الصحية الغامضة والمستقبلية؛ فالأبحاث الطبية الحديثة تتسابق للتحذير من تداعيات استنشاق مواد كيميائية ومعادن ثقيلة ودخان محمل بالبروبيلين غليكول على الأنسجة الرئوية الغضة للشباب، مما ينذر بقنبلة موقوتة من الأمراض المزمنة والقلبية والوعائية في أفق المستقبل القريب.
السياسة الجبائية.. هل تقف عاجزة أمام جشع السوق؟
في محاصرة هذه الظاهرة، لم تقف السلطات والجهات المعنية مكتوفة الأيدي؛ إذ تتوالى التدابير الحكومية والتشريعية للحد من هذا الإقبال المحموم، لاسيما عبر الرفع المزدوج من الضرائب الداخلية على الاستهلاك والرسوم الجمركية المفروضة على السجائر الإلكترونية ومكوناتها وخزاناتها القابلة لإعادة التعبئة، ومضاعفة أثمنتها في محاولة لتجفيف منابع استهلاكها وجعلها بعيدة عن متناول أيدي القاصرين والشباب.
لكن، ورغم أهمية هذه الإجراءات الجبائية والاقتصادية، يرى خبراء وحقوقيون أن رفع الثمن وحده لا يكفي للقضاء على الداء ما لم يُعضد بمنظومة صارمة من المراقبة الميدانية. فالأسواق ما زالت تعرف تداولاً عشوائياً، ومسالك للتهريب، وبيعاً بالتفصيل للأطفال دون أي حسيب أو رقيب يطبق قوانين حماية الطفولة وصحة المستهلك.
خاتمة: نحو جبهة وطنية شاملة لمواجهة “الطاعون الناعم”
إن تفشي السجائر الإلكترونية بين شبابنا لم يعد مجرد ظاهرة استهلاكية عابرة يمكن تطويقها بقرار ضريبي أو إجراء زجري محتشم، بل أصبح تهديداً استراتيجياً يتربص بصحة ورأسمالنا البشري. إنقاذ الأجيال الصاعدة من براثن هذا “الإدمان الناعم” يتطلب استراتيجية وطنية مندمجة؛ تتناغم فيها الصرامة القانونية مع تكثيف الحملات التحسيسية في المؤسسات التعليمية، وتفعيل دور الأسرة والإعلام، وتوفير خلايا للقرب ومواكبة المدمنين الشباب. وإلا، فإن فاتورة التقاعس ستكون باهظة الدفع، ولن يقوى المجتمع على تحمل تبعاتها الصحية والنفسية.



