الأطر المساعدة بقطاع الشباب.. من الاعتراف بالمهام إلى الإنصاف المؤسساتي والقانوني

الحسن ولدالمسكينمنذ 6 ساعاتآخر تحديث :
الأطر المساعدة بقطاع الشباب.. من الاعتراف بالمهام إلى الإنصاف المؤسساتي والقانوني

مرافعة مطلبية من أجل إدراج الأدوار المهنية للأطر المساعدة ضمن المنظومة القانونية والتنظيمية لقطاع الشباب

لم يعد النقاش حول وضعية الأطر المساعدة بقطاع الشباب مجرد نقاش عابر يرتبط بطبيعة العقود أو الإطار القانوني المنظم لعلاقات الشغل، بل أصبح قضية مؤسساتية ومهنية واجتماعية تستحق أن تحظى بمكانتها ضمن ورش إصلاح القطاع، بالنظر إلى الأدوار التي تضطلع بها هذه الفئة داخل مؤسسات الشباب، وإلى ما راكمته من تجربة ميدانية في إدارة المؤسسات الشبابية ومواكبة الأنشطة والبرامج التربوية والتأطيرية والتنشيطية.

لقد شكلت الأطر المساعدة، على امتداد سنوات من العمل، أحد المكونات البشرية التي ساهمت في ضمان استمرارية عدد من الخدمات داخل المؤسسات الشبابية، واضطلعت بمهام متعددة فرضتها حاجيات المرفق ومتطلبات العمل اليومي. ورغم اختلاف طبيعة المهام والمسؤوليات، فإن حضورها الميداني ظل مرتبطا بشكل مباشر بسيرورة العمل داخل هذه المرافق، وبالجهود الرامية إلى تنفيذ البرامج والأنشطة الموجهة لفائدة الشباب والأطفال.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ما القانون الذي يؤطر علاقة الأطر المساعدة بالقطاع؟ بل أيضا: ما موقع هذه الفئة داخل المنظومة المؤسساتية؟ وكيف يمكن الاعتراف بأدوارها المهنية وإدراجها ضمن التصور العام للموارد البشرية بقطاع الشباب؟

و في سياق النقاش حول هذه الوضعية، جاء تصريح السيد وزير الشباب والثقافة والرياضة، الذي أوضح فيه أن الأطر المساعدة تخضع لمقتضيات مدونة الشغل، ليعيد طرح الملف من زاوية قانونية تستوجب التفاعل المسؤول.

فإذا كانت مدونة الشغل تشكل المرجعية القانونية المنظمة لعلاقات الشغل بالنسبة إلى هذه الفئة، فإن ذلك لا يلغي ضرورة معالجة موقعها المهني والمؤسساتي داخل القطاع، ولا يمنع من التفكير في آليات تنظيمية تضمن وضوح مهامها واختصاصاتها، وتحدد طبيعة مساهمتها في تحقيق الأهداف التربوية والتنموية للمؤسسات الشبابية.

إن الخلط بين الإطار القانوني للعلاقة الشغلية وبين الاعتراف المؤسساتي بالأدوار المهنية قد يؤدي إلى اختزال هذا الملف في جانب واحد، بينما تقتضي المعالجة الشاملة النظر إليه من زوايا متعددة، تشمل الحقوق الاجتماعية، والاستقرار المهني، والتوصيف الوظيفي، والاعتراف بالتجربة والكفاءة.

فمدونة الشغل تنظم العلاقة الشغلية، لكن السؤال المؤسساتي يظل قائما: كيف يمكن أن تكون الأطر المساعدة حاضرة في مختلف تفاصيل العمل اليومي للمؤسسات الشبابية، دون أن تحظى أدوارها بما يكفي من الوضوح والاعتراف داخل المنظومة التنظيمية للقطاع؟

خاصة وأنها تؤدي أدوارا ميدانية تستحق الاعتراف والتوصيف.

إن الأطر المساعدة ليست مجرد موارد بشرية تؤدي مهاما تنفيذية أو خدماتية محدودة، بل إن جزءا منها راكم خبرات وتجارب ميدانية في مجالات متعددة، ترتبط بالإدارة الشاملة،بالتنشيط والتأطير والمواكبة التربوية والإدارية والمساهمة في تدبير المرفق والأنشطة والبرامج.

وقد أفرزت الممارسة اليومية داخل المؤسسات الشبابية واقعا مهنيا تتداخل فيه المسؤوليات وتتعدد فيه الحاجيات، الأمر الذي يجعل من الضروري وضع توصيف واضح للمهام، يحدد الاختصاصات والمسؤوليات، ويضمن الانسجام بين طبيعة العمل الفعلية والإطار التنظيمي الذي يحتضنه.

ومن غير المنطقي أن يظل النقاش حول هذه الفئة محصورا في طبيعة العلاقة التعاقدية، دون الالتفات إلى ما تقدمه من خدمات ومساهمات داخل المرفق الشبابي.

إن الاعتراف بالأدوار لا يعني بالضرورة تغيير الوضعية القانونية بشكل تلقائي، ولا يقتضي تجاوز المقتضيات التشريعية الجاري بها العمل، وإنما يعني فتح نقاش مؤسساتي حول الصيغ الممكنة لإدراج هذه المهام ضمن منظومة المهن والوظائف المرتبطة بقطاع الشباب، مع احترام الفوارق القانونية بين مختلف الفئات.

إن المرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من مطلب الاعتراف إلى مقترح الإدماج التنظيمي ، من إثارة الإشكال إلى تقديم مقترحات عملية قابلة للنقاش والتفعيل، وفي مقدمتها الدعوة إلى إدراج الأدوار المهنية للأطر المساعدة ضمن المنظومة القانونية والتنظيمية للقطاع، سواء من خلال مراجعة النصوص المؤطرة للموارد البشرية أو عبر إحداث إطار مرجعي ومهني مكمل يحدد موقع هذه الفئة واختصاصاتها.

وفي هذا الإطار، يمكن بلورة مجموعة من المطالب الأساسية:

أولا: الاعتراف المؤسساتي بالأدوار والمهام

التنصيص بوضوح على مساهمة الأطر المساعدة في سير المؤسسات الشبابية، وتحديد المجالات التي تشتغل فيها، بما يجعل حضورها المهني جزءا واضحا من التصور المؤسساتي للقطاع.

ثانيا: إقرار توصيف مهني واضح

إعداد مرجع للمهام والاختصاصات يحدد طبيعة العمل والمسؤوليات وحدود التدخل، ويضمن التكامل مع باقي الأطر العاملة داخل المؤسسات.

ثالثا: تثمين التجربة والأقدمية المهنية

اعتماد الخبرة الميدانية والسنوات التي قضتها الأطر المساعدة في خدمة القطاع ضمن أي تصور مستقبلي لتطوير وضعيتها المهنية، مع دراسة الصيغ القانونية الممكنة للاعتراف بالمكتسبات.

رابعا: ضمان الحقوق الاجتماعية والمهنية

الحرص على احترام الحقوق المرتبطة بالأجور والتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والتقاعد، وسائر الحقوق التي تكفلها التشريعات الجاري بها العمل.

خامسا: فتح حوار مؤسساتي مسؤول

دعوة الوزارة إلى فتح نقاش جاد مع ممثلي الأطر المساعدة والهيئات النقابية والجهات المعنية، من أجل الاستماع إلى مطالب هذه الفئة وإشراكها في صياغة الحلول الممكنة.

سادسا: دراسة أفق مهني مستقر

العمل على دراسة إمكانية إقرار إطار مهني أو تنظيمي خاص، أو آلية انتقالية تراعي خصوصية هذه الفئة، وتحفظ حقوقها ومكتسباتها، وفق الضوابط القانونية والإدارية المعمول بها.

ولإصلاح قطاع الشباب وجب البدأ من موارده البشرية.

إذ أن الحديث عن تطوير قطاع الشباب لا يمكن أن ينفصل عن وضعية موارده البشرية، لأن المؤسسة الشبابية ليست مجرد بناية تحتضن الأنشطة، وإنما فضاء تربوي واجتماعي يقوم على تكامل الأدوار والخبرات والكفاءات.

وإذا كانت السياسات العمومية تراهن على جعل مؤسسات الشباب فضاءات للاستقبال والتأطير والتكوين والإبداع والمشاركة المواطنة، فإن تحقيق هذه الأهداف يقتضي توفير شروط العمل المناسبة لجميع الفئات التي تساهم في تنفيذ برامجها.

ومن هنا، فإن معالجة ملف الأطر المساعدة ينبغي أن يتدرج ضمن رؤية شمولية لإصلاح تدبير الموارد البشرية، لا باعتباره ملفا معزولا أو مطلبا فئويا ضيقا، وإنما باعتباره جزءا من النقاش حول جودة الخدمات العمومية المقدمة للشباب، وحول شروط الاستقرار والاستمرارية داخل المؤسسات.

كما أن هذه المعالجة ينبغي ألا تغفل الأطر التي انتهت مسيرتها المهنية أو بلغت سن التقاعد، وما قد يرتبط بسنوات عملها من حقوق ومستحقات تستوجب الدراسة والتسوية وفق المقتضيات القانونية.

إن المطلوب اليوم من وزارة الشباب والثقافة والرياضة ليس الاكتفاء بتحديد المرجعية القانونية التي تخضع لها الأطر المساعدة، وإنما الانتقال إلى معالجة أوسع تستحضر طبيعة المهام التي تؤديها هذه الفئة، وموقعها داخل المؤسسات، وآفاق تطوير وضعيتها المهنية والاجتماعية.

إن توضيح خضوع هذه الأطر لمدونة الشغل يجيب عن جانب من السؤال القانوني، لكنه لا ينهي النقاش حول ضرورة الاعتراف بأدوارها داخل المنظومة المؤسساتية للقطاع.

ولذلك، فإننا ندعو إلى جعل هذا الملف موضوع حوار مؤسساتي مسؤول، يفضي إلى صياغة تصور واضح ومنصف، يقوم على تحديد المهام، والاعتراف بالتجربة، وضمان الحقوق، ودراسة إمكانيات الإدماج التنظيمي والمهني وفق ما تسمح به القوانين.

فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بما تحدثه الوزارة من تغييرات في البنيات والبرامج، بل أيضا بمدى قدرتها على إنصاف مختلف المكونات البشرية التي تساهم في استمرارية المرفق وتحقيق أهدافه.

إننا لا نطالب بتجاوز القانون، بل نطالب بأن يكون القانون مدخلا للإنصاف والتنظيم والاعتراف. ولا نختزل القضية في تغيير الوضعية التعاقدية، بل نؤكد أن الاعتراف بالأدوار المهنية للأطر المساعدة وإدراجها ضمن التصور المؤسساتي لقطاع الشباب أصبح ضرورة تستحق النقاش والمعالجة.

فمن ساهم في خدمة المؤسسة الشبابية، وواكب أجيالا من الأطفال والشباب، وراكم تجربة ميدانية داخل هذا القطاع، يستحق أن تكون أدواره واضحة، وحقوقه مصونة، وموقعه المهني محل اعتراف.

إنصاف الأطر المساعدة ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل هو جزء من إنصاف المؤسسة الشبابية ذاتها، ومن بناء قطاع يقدر جميع من يساهمون في أداء رسالته التربوية والتنمويةالنبيلة .

بقلم الاعلامي/ الحسن ولدالمسكين – ديسبريس

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.