حين تصبح “المعجنات بجميع اشكالها” سيدة المائدة المسائية: المعجنات في عشائيات المغاربة.. بين سلطة الجيب وبصمة التغيير

يسير البلغيتي2 نوفمبر 2026آخر تحديث :
حين تصبح “المعجنات بجميع اشكالها” سيدة المائدة المسائية: المعجنات في عشائيات المغاربة.. بين سلطة الجيب وبصمة التغيير
حين تصبح “المعجنات بجميع اشكالها” سيدة المائدة المسائية: المعجنات في عشائيات المغاربة.. بين سلطة الجيب وبصمة التغيير

بقلم يسير البلغيثي

لم يعد خافياً على أحد أن المطبخ المغربي، ط بعراقته التي تقاوم الزمن، يعيش على وقع هزة صامتة تمس أقدس طقوسه اليومية؛ ويتعلق الأمر بوجبة العشاء. فبعد أن كانت هذه الوجبة في الذاكرة الجمعية المغربية عنواناً للبذخ الدفء، ومسرحاً للأطباق الدافئة الثقيلة واللحوم، والمرقات المتنوعة، تحولت اليوم بفعل “لهيب الأسعار” المستعر إلى مساحة استسلام وتأقلم إجباري، تتربع على عرشها “المعجنات” بمختلف أشكالها وأنواعها، لترسم ملامح ثقافة استهلاكية جديدة ولدتها الأزمة.

من الرفاه إلى الارتجال: حين تُملي الجيوب شروطها

لم تكن المعجنات – سباكتيو البيتزا – غريبة يوماً عن المائدة المغربية، بل كانت عنصراً أصيلاً يرافق الحساء الحريرة . غير أن الجديد اليوم، وتحت وطأة موجات التضخم المتلاحقة وغلاء المواد الغذائية الأساسية كاللحوم والخضروات، هو “هجرة” هذه المكونات نحو وجبة العشاء لتصبح طبقاً رئيسياً لا مناص منه.

تتحول البيوت المغربية مع إطلالة كل مساء إلى خلايا نَحل مصغرة؛ حيث تتفنن ربات البيوت، ولسان حالهن يلهج بشكوى الغلاء، في تفنن ، لابتكار وجبات عشاء مشبعة وأقل كلفة. فطيرة دائرية محشوة بالبصل والتوابل (المسمن الملح أو المحشو)، أو حبات من “بيتزا ” المنتفخةبحشوات اقتصادية، باتت تغني عن وجبات متكاملة كانت إلى عهد قريب حقاً مكتسباً لكل أسرة متوسطة الدخل.

شهادات حية: “الخبز والمعجنات.. أهون الضررين”

“لم يعد بمكاننا مجاراة أسعار اللحوم ولا حتى الخضار التي أصبحت تثقل كاهل الميزانية الشهرية”، بهذه الكلمات تبدأ السيدة فاطمة (45 أم لثلاثة أطفال من مدينة سلا) حديثها معنا، وتضيف بمرارة مزجتها بابتسامة رضا واجِفة: “أصبحت وجبة العشاء في بيتنا تختزل في طبق من المعجنات التي نعدها بأيدينا. إنها توفر الإحساس بالشبع لأبنائي بتكلفة زهيدة مقارنة بما كنا ننفقه سابقاً”.

وليست فاطمة وحدها في هذا الخندق؛ فالدراسات السوسيولوجية واستهلاكات الأسر تؤكد أن القدرة الشرائية للمواطن المغربي باتت تخضع لعملية “غربلة” قاسية. فالأسر المغربية، ورغم تمسكها بالتقاليد، تكيّفت ببراغماتية لافتة مع الواقع الاقتصادي الجديد، محولة العجز المالي إلى إبداع في تدبير لقمة العيش، حيث صار “الدقيق” طوق نجاة حقيقي.

قراءة سوسيولوجية: هل هي ثقافة مستدامة أم طارئ مؤقت؟

يؤكد خبراء الاجتماع والمهتمون بالشأن الغذائي أن ما يجرى اليوم ليس مجرد تغيير عابر في عادات الأكل، بل هو تحول بنيوي في الوعي الاستهلاكي للمغاربة.

فالمعجنات التي كانت تُصنف في خانة “الأكلات الشعبية البسيطة” أو الوجبات الخفيفة، ارتقَت قسراً لتصبح خياراً استراتيجياً للاستقرار المعيشي الأسري. ويرى المتخصصون أن هذا النمط قد يترسخ ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الهوية الغذائية المعاصرة للمغاربة، خصوصاً مع اتساع رقعة الطبقات المتوسطة التي وجدت نفسها تتحدر نحو الاحتراز المالي.

ختما يبقى هذا النمط من العيش يخفي مرارة الغلاء بمهارة العجين

بينما يستمر لهيب الأسعار في تفعيل قبضته على الأسواق المغربية، يواصل الشارع المغربي إثبات قدرة فريدة على المناورة والتأقلم. وتظل المعجنات، برائحتها المنبعثة من بيوت الأحياء الشعبية وحتى الراقية، شاهدة حيّة على مرحلة انتقالية صعبة؛ مرحلة يُعجن فيها الدقيق بالصبر، ويُقدّم على الموائد كحلٍّ أخير لخصم لا يرحم يدعى “الغلاء” فتحول المعجنات من ضيف خفيف على موائد العشاء إلى سيد مطاع الأسر المغربية، هو باختصار مرآة عاكسة لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تختصر حكاية وطن يبحث مواطنوه باستمرار عن الحياة.. ولو رغيفاً برغيف.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.