سيدي بنور.. خزان دكالة الفلاحي يبحث عن مغناطيس الاستثمار وصناعة المستقبل
بقلم الاعلامي الحسن ولدالمسكين

تعتبر مدينة سيدي بنور، وعموم الإقليم، أحد الشرايين الاقتصادية والفلاحية الحيوية في جهة الدار البيضاء سطات والمغرب ككل، حيث نجحت المنطقة على مدى السنوات الأخيرة في تعزيز مكانتها كعاصمة فلاحية بامتياز ومحور رئيسي للأمن الغذائي الوطني بفضل مساحاتها السقوية الشاسعة وإنتاجيتها العالية في قطاعات حيوية كالشمندر السكري والحليب واللحوم الحمراء، وهي طفرة إنتاجية واكبها توسع عمراني وديمغرافي ملموس وتأهيل نسبي للبنية التحتية المحلية من خلال تهيئة المحاور الطرقية الكبرى وتنظيم الفضاءات التجارية كالسوق الأسبوعي الجديد وسوق الماشية، غير أن التحليل المنطقي لمسار التنمية بالسيرورة الحالية يظهر أن هذه الدينامية لم تنجح بعد في التحول إلى إقلاع اقتصادي واجتماعي متكامل ومستدام بسبب وجود كوابح بنيوية تستدعي الوقوف عندها وطرح بدائل عملية لتجاوزها.
إن الإشكال البنيوي الأول الذي يواجه الإقليم يكمن في مفارقة تصدير الثروة، حيث يقتصر دور المنطقة إلى حد كبير على إنتاج المواد الخام وتصديرها دون تثمين صناعي حقيقي، ليبقى معمل السكر الاستثناء الوحيد في مشهد يغيب عنه التصنيع الفلاحي والوحدات التحويلية القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية توفر فرص شغل نوعية وتحمي المنطقة من هجرة كفاءاتها الشابة نحو الحواضر الكبرى كالدار البيضاء والجديدة، ويزداد هذا الوضع تعقيداً مع توالي سنوات الجفاف وتنامي تحدي الإجهاد المائي وتراجع حقينة السدود المغذية للمنطقة السقوية لدكالة، مما يضع الركيزة الاقتصادية للإقليم على المحك ويهدد الاستقرار المعيشي لآلاف العائلات التي تعتمد بشكل كلي على النشاط الزراعي التقليدي، فضلاً عن الخصاص الملحوظ الذي تسجله المدينة في الخدمات الاجتماعية والأساسية لاسيما القطاع الصحي الذي يعاني ضغطاً متزايداً ونقصاً في الأطر والتجهيزات، ناهيك عن الافتقار للفضاءات الثقافية والترفيهية الحاضنة لطاقات الشباب.
وللانتقال بسيدي بنور من مركز إنتاج كلاسيكي إلى قطب تنموي واعد، يقتضي المنطق الاقتصادي الإسراع في تنزيل جيل جديد من الحلول المتكاملة، على رأسها إحداث منطقة صناعية فلاحية متطورة مخصصة للصناعات الغذائية التحويلية كتعليب الخضروات وتصنيع الأجبان ومشتقات اللحوم، وهي خطوة كفيلة باحتجاز القيمة المضافة داخل الإقليم وخلق آلاف فرص الشغل المباشرة، مع ضرورة مواكبة هذا التحول الصناعي بتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة كاستخدام الطاقة الشمسية في ضخ المياه ودعم الفلاحين لاعتماد تقنيات الري الذكي لتدبير الندرة المائية، بالإضافة إلى إعادة تدوير المياه العادمة لسقي المساحات الخضراء بالمدينة وتخفيف العبء عن الفرشة المائية.
وفي الموازاة مع الشق الاقتصادي، يتطلب الرهان الاجتماعي تقوية العرض الصحي عبر الرفع من جاهزية المستشفى الإقليمي وتزويده بالاختصاصات الطبية الحيوية لإنهاء معاناة التنقل، بالموازاة مع التفكير الجدي في إرساء نواة جامعية أو معاهد تكنولوجية عليا متخصصة في الهندسة الفلاحية والتدبير لربط منظومة التعليم بمتطلبات سوق الشغل المحلي، وهو مسار لن يكتمل إلا بتبني المجالس المنتخبة والفاعلين الترابيين لمقاربة تسويقية هجومية تجذب الاستثمارات وتمنح تحفيزات عقارية وضريبية واضحة، لتتحول سيدي بنور في نهاية المطاف من مجرد خزان للمواد الفلاحية إلى قطب اقتصادي قائم بذاته يضع العنصر البشري في صلب أولوياته.



