عيد الوحدة بالمغرب، من رمزية التاريخ إلى رهانات المستقبل: حين تتحول الوحدة الوطنية إلى مشروع أمة

الحسن ولدالمسكين1 نوفمبر 2026آخر تحديث :
عيد الوحدة بالمغرب، من رمزية التاريخ إلى رهانات المستقبل: حين تتحول الوحدة الوطنية إلى مشروع أمة

بقلم : الإعلامي الحسن ولدالمسكين

ليس في تاريخ الأمم من اللحظات ما يضاهي تلك التي تتحول فيها الأحداث الكبرى إلى محطات فاصلة في الوعي الجماعي، فتغادر حدود الذاكرة العابرة لتستقر في وجدان الشعوب باعتبارها علامات فارقة في مسار بناء الدولة وصناعة المستقبل. ومن هذا المنظور، يأتي عيد الوحدة بالمملكة المغربية، الذي أقره صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ليوم 31 أكتوبر من كل سنة، باعتباره أكثر من مجرد مناسبة وطنية جديدة؛ إنه عنوان لمرحلة تاريخية تستدعي قراءة عميقة في مسار القضية الوطنية، وما راكمته المملكة من تحولات سياسية ودبلوماسية واستراتيجية.

فحين يقرر جلالة الملك جعل هذا التاريخ عيداً وطنياً يحمل اسم «عيد الوحدة»، فإن الأمر يتجاوز البعد الاحتفالي إلى استحضار دلالات وطنية وتاريخية متجذرة، وإعادة ترتيب الذاكرة الوطنية حول لحظة مفصلية من لحظات الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة. وهو قرار يعكس إرادة ملكية في تحويل المنجزات الوطنية إلى رصيد رمزي مشترك، تتوارثه الأجيال، وتستمد منه معنى الانتماء والمسؤولية.

لقد جاء هذا القرار في أعقاب التطورات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، ولاسيما قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، وما حمله من مستجدات في مسار البحث عن حل سياسي للنزاع، في إطار المبادرة المغربية للحكم الذاتي. وهي محطة تكتسي أهميتها من كونها جاءت بعد عقود من العمل الدبلوماسي المتواصل، الذي انتقل فيه المغرب، وفق الرؤية الملكية، من تدبير الملف إلى العمل على إحداث تحول نوعي في مساره ومآلاته.

وفي خطابه السامي بتاريخ 31 أكتوبر 2025، وضع جلالة الملك محمد السادس هذا التحول في سياقه التاريخي، مؤكداً أن المغرب يعيش مرحلة فاصلة في تاريخه الحديث، قبل أن يختزل عمق اللحظة في عبارته الملكية البليغة: «هناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده». وهي عبارة لا تستمد قوتها من وقعها البلاغي فحسب، بل من كونها تؤشر على انتقال في طبيعة التعاطي مع القضية الوطنية، من منطق المحافظة على المكتسبات إلى أفق ترسيخها وتوسيع آثارها السياسية والتنموية.

ولعل أهم ما ينبغي استحضاره في هذا السياق أن التحولات الدبلوماسية لا تصنعها اللحظات المنفردة، وإنما تتشكل عبر تراكم طويل من وضوح الرؤية، وثبات الموقف، وفعالية التحرك الخارجي، وقدرة الدولة على تحويل شرعية مواقفها إلى عناصر تأثير في محيطها الإقليمي والدولي. ومن هنا، فإن ما تحقق في ملف الصحراء المغربية لا يمكن فصله عن الدبلوماسية الملكية التي جعلت من الواقعية والوضوح والاستمرارية مرتكزات أساسية في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة.

غير أن القراءة المتأنية للخطاب الملكي تكشف عن بعد آخر لا يقل أهمية عن المكاسب الدبلوماسية، يتمثل في الحكمة السياسية التي طبعت الموقف المغربي. فقد حرص جلالة الملك على التأكيد أن المغرب لا يعتبر هذه التحولات انتصاراً، ولا يستغلها لتأجيج الصراع والخلافات، بل يمد اليد من أجل حل يضمن الكرامة ويحفظ ماء وجه جميع الأطراف. كما دعا إلى حوار أخوي صادق مع الجزائر، وأكد تطلعه إلى إحياء الاتحاد المغاربي على أساس الاحترام المتبادل والتعاون والتكامل.

وهنا تتجلى قوة الدولة الواثقة من خياراتها؛ فالوطنية الحقيقية ليست انفعالاً عاطفياً عابراً، وليست خطاباً يقوم على منطق الخصومة، بل هي قدرة على الدفاع عن الحقوق المشروعة دون التفريط في قيم الحوار، والتمسك بالثوابت دون إغلاق أبواب المستقبل. إنها معادلة دقيقة تجمع بين الحزم في المواقف والانفتاح في العلاقات، وبين وضوح المصالح الوطنية والإيمان بأن الاستقرار الإقليمي مصلحة مشتركة لجميع شعوب المنطقة.

لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يرافق الاحتفاء بعيد الوحدة هو: كيف نجعل من هذه اللحظة التاريخية رافعة لمشروع وطني متكامل؟

إن الوحدة الترابية، على أهميتها المركزية، لا ينبغي أن تظل مفهوماً مرتبطاً بالحدود والجغرافيا وحدهما، بل يتعين أن تجد امتدادها الطبيعي في وحدة الفرص، وعدالة التنمية، وتكافؤ الحقوق، والإنصاف المجالي. فالمغرب الموحد الذي نحتفي به هو أيضاً المغرب الذي يطمح أبناؤه إلى تعليم جيد، وخدمات صحية لائقة، وإدارة فعالة، وشغل كريم، ومؤسسات تستجيب لانتظارات المواطنين وتستعيد ثقتهم.

ومن هذا المنطلق، فإن عيد الوحدة يشكل مناسبة لإعادة التفكير في مفهوم المواطنة باعتبارها علاقة متبادلة بين الحقوق والواجبات، وبين الانتماء والمشاركة، وبين الاعتزاز بالوطن والإسهام الفعلي في تنميته. فلا معنى لوحدة لا يشعر المواطن بثمارها في حياته اليومية، ولا تكتمل رمزية الانتماء إلا حين يجد المواطن نفسه شريكاً في صناعة القرار التنموي، ومشاركاً في حماية المكتسبات الوطنية.

كما أن الرهان الأكبر يظل مرتبطاً بالأجيال الصاعدة، التي تحتاج إلى خطاب وطني جديد يتجاوز التلقين إلى بناء الوعي، ويغادر المناسباتية إلى التربية على المواطنة. فالشباب ليسوا مجرد جمهور يتلقى الرسائل الوطنية، بل هم طاقة اقتراح وإبداع ومشاركة، وهم المعنيون بحمل مشعل المستقبل وصيانة ما راكمته الأجيال السابقة من تضحيات ومكتسبات.

وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، ومؤسسات الشباب والمجتمع المدني، في جعل عيد الوحدة مناسبة حقيقية لترسيخ الثقافة الوطنية، وفتح فضاءات النقاش والتعبير، وتعريف الناشئة بتاريخ المغرب وروافده الحضارية، وبالتحولات التي عرفتها قضيته الوطنية. فالوحدة التي لا تتحول إلى وعي مجتمعي متجدد تظل معرضة لأن تفقد جزءاً من قوتها الرمزية، أما الوحدة التي تسكن وجدان الأجيال وتنعكس في سلوكها وممارساتها، فإنها تصبح رصيداً استراتيجياً يصعب النيل منه.

وليس من قبيل المصادفة أن يأتي إقرار هذا العيد في سياق استحضار ذكرى المسيرة الخضراء وذكرى استقلال المغرب؛ فبين هذه المحطات خيط تاريخي ناظم، عنوانه تشبث المغاربة بحقهم في السيادة والوحدة، وقدرتهم على تحويل التحديات إلى فرص، والتضحيات إلى مكتسبات، والذاكرة إلى قوة دافعة نحو المستقبل.

إن عيد الوحدة، في عمقه السياسي والرمزي، يضع أمام المغاربة مسؤولية الانتقال من الاحتفاء بالمنجز إلى صيانة شروط استمراره، ومن الاعتزاز بالمكتسبات إلى إنتاج مكتسبات جديدة، ومن استحضار التاريخ إلى كتابة فصول أكثر إشراقاً في مسيرة الوطن.

إن المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى الاحتفاء بوحدته، بل إلى جعل هذه الوحدة فلسفة في تدبير الاختلاف، ومنهجاً في تحقيق العدالة، وثقافة في ممارسة المواطنة، ومشروعاً تنموياً لا يترك مجالاً ولا فئة خارج دائرة الاهتمام الوطني.

ومن طنجة إلى لكويرة، تظل وحدة المغرب أكبر من حدود مرسومة على الخرائط؛ إنها ذاكرة مشتركة، وامتداد حضاري، ورابطة تاريخية، وإرادة جماعية تتجدد مع كل جيل. وهي، قبل ذلك وبعده، أمانة في أعناق المغاربة جميعاً، لا يصونها الخطاب وحده، وإنما يصونها العمل المسؤول، والوعي المستنير، والإنصاف، والوفاء للوطن.

ففي عيد الوحدة، لا نحتفل فقط بمغرب انتصر لإرادته وثبت على مواقفه، بل نستشرف مغرباً جديداً يجعل من وحدته قوة للبناء، ومن تاريخه منطلقاً للمستقبل، ومن تلاحم عرشه وشعبه ضمانة لاستمرار مسيرته نحو التقدم والازدهار.

حفظ الله المغرب موحداً آمناً مستقراً، وأدام على المملكة نعمة التلاحم والازدهار، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.

 

 

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.