بين روح المسيرة الخضراء والرهانات الجيوسياسة: كيف تعيد الرباط رسم خارطة الاستقرار في الصحراء المغربية؟

بوشعيب هارة6 نوفمبر 2026آخر تحديث :
بين روح المسيرة الخضراء والرهانات الجيوسياسة: كيف تعيد الرباط رسم خارطة الاستقرار في الصحراء المغربية؟

بقلم : بوشعيب هارة

ذكرى المسيرة الخضراء.. عبق الملحمة المتجددة

​نحتفل هذه الأيام بذكرى المسيرة الخضراء المجيدة، تلك العبقرية التاريخية الفريدة التي أبدعها الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه في السادس من نوفمبر 1975. حينها، لم تكن زحوف 350 ألف مغربي ومغربية بسلاح القرآن والرايات الوطنية سوى إعلان مدوٍ عن استرجاع الحق بالسلام. واليوم، بينما تتجدد هذه الذكرى الخالدة في وجدان المغاربة، تتداخل روحها السلمية مع واقع استراتيجي جديد؛ لتثبت أن ملحمة 1975 لم تكن حدثاً عابراً في التاريخ، بل هي الجذر والمنطلق لكل المعارك الدبلوماسية والميدانية الكبرى التي تخوضها المملكة اليوم لحسم سيادتها الترابية.

​1. المينورسو وتصفية الوصاية: إسقاط الأدوات القديمة في ميزان السيادة

​تتزامن ذكرى المسيرة هذا العام مع تحولات دراماتيكية في أروقة الدبلوماسية الدولية، لاسيما ما يرتبط بمسار بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو).

• ​نهاية التدبير التقليدي: مع تداعيات انتهاء الولايات وغياب التوافق داخل مجلس الأمن، يجد النظام الأممي نفسه أمام حتمية طي صفحة الوصاية والتدوير اللانهائي للنزاع.

• ​الموقف المغربي الثابت: تستثمر الرباط هذا المخاض الأممي لتكرس واقعاً ميدانياً لا رجعة فيه؛ معتبرة أن الحل الوحيد المتبقي والواقعي هو مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والتي تحظى باعتراف متسارع من عواصم صنع القرار العالمي.

​2. مناورات الجزائر والهروب إلى الأمام: أزمة الخيارات الضيقة

​على الجانب الآخر من الحدود، وبينما يحيي المغرب ذكرياته الوطنية بزخم التنمية، تعيش القيادة الجزائرية حالة من التخبط الدبلوماسي والميداني:

• ​استعراضات العسكر: تلجأ المؤسسة العسكرية في الجزائر باستمرار إلى إجراء مناورات تكتيكية عسكرية أو تأجيج الخطاب العدائي، في محاولة يائسة لرفع معنويات جبهة “البوليساريو” في مخيمات تندوف والتغطية على الإخفاقات الدبلوماسية المتتالية.

• ​المأزق الإنساني: يواجه النظام الجزائري ضغوطاً متزايدة حول وضع المحتجزين في المخيمات، ورفض استمرار استغلال المساعدات الإنسانية، مما يجعل خطابه الإقليمي معزولاً عن الواقع الدولي الذي بات يميل لصالح الاستقرار والاندماج الذي يقوده المغرب.

​3. تقاطعات الكواليس الدولية: رهان “الناتو” والأفق الأطلسي

​لم يعد ملف الصحراء المغربية حبيس جغرافياه الضيقة، بل غدا محط اهتمام استراتيجي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والقوى الكبرى:

• ​الأمن الشامل: يدرك حلفاء المغرب الغربيون أن المملكة تشكل الصخرة الصلبة والأكثر موثوقية في شمال إفريقيا لمواجهة الإرهاب، الجريمة العابرة للحدود، وأمن الطاقة والملاحة.

• ​القطب التنموي الأطلسي: من العيون إلى الداخلة، تحولت الأقاليم الجنوبية إلى قاطرة للتنمية ومنصة لوجستية كبرى نحو إفريقيا، مترجمةً الرؤية الملكية في المبادرة الأطلسية التي تربط قارة إفريقيا بالعالم الخارجي، وتجعل من أمن الصحراء المغربية جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العالمي.

عودة إلى الجذور.. المسيرة مستمرة ولا تقف عند حد

​ختاماً، وحين نربط خيوط الحاضر ببعضها، نكتشف أن كل هذه التحولات الدبلوماسية الكبرى، وسقوط أطروحات الخصوم، والاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، ما هي إلا امتداد طبيعي لروح المسيرة الخضراء.

​فكما انطلقت المسيرة سلمياً سنة 1975 لتصنع التاريخ، تواصل مسيرة اليوم – بتوجيهات جلالة الملك محمد السادس وعزم المغاربة – ترسيخ الحق والسيادة على الأرض، مؤكدة أن الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه، وأن مسيرة البناء والتنمية والسيادة لا تتوقف أبداً بل تزداد رسوخاً وثباتاً.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.