بقلم : بوشعيب هارة
عمت حالة من الصدمة العميقة والذهول الشديد سكان وشباب الدواوير المجاورة لغابة “33” بقطاع المنصورية بإقليم بنسليمان. فما كان يُعتقد في البداية أنه مجرد جريمة قتل مأساوية، تحول بفضل المعطيات الميدانية والتقارير الاستباقية إلى ملف شائك يعري عن كواليس مرعبة لشبكات ترويج المخدرات القوية، وتحديداً “البوفا”، وكيف تُدار الصراعات الدموية خارج سلطان القانون داخل غابات تحولت إلى “دويلات” مغلقة.
بدأت فصول الواقعة أول أمس (الإثنين)، حين اهتز الإقليم على وقع خبر صادم مفاده العثور على شابين من أبناء المنطقة مقتولين رميا بالرصاص، بعد أن أقدمت بارونات “البوفا” على احتجازهما داخل غابة “33” ومطالبة ذويهما بفدية مالية ضخمة بلغت 12 مليون سنتيم لإطلاق سراحهما.
الصدمة لم تكن في بشاعة الجريمة وحدها، بل في كونها جاءت بعد أن تطوع شباب الدواوير المجاورة لتحرير الضحيتين بأيديهم، بعدما استشعرو خطورة الموقف وغياب التدخل الاستباقي، ليتفاجؤوا بفاجعة التصفية الجسدية بالرصاص الحي.
بين أزقة المقاهي وأحياء المدينة، تروى تفاصيل أخرى أكثر دموية وتعقيداً؛ تفاصيل تكشف أن الجريمة لم تكن وليدة الصدفة، تشير روايات الشارع إلى أن الشابين الضحيتين، برفقة ستة أشخاص آخرين، قاموا في مناسبتين سابقتين باقتحام الغابة والسطو على مبالغ مالية ضخمة تعود لشبكات ترويج “البوفا”. وبحكم أن بارونات المخدرات لا يمكنهم اللجوء إلى القنوات الرسمية (الدرك أو الشرطة) للتبليغ عن سرقة أموال “غير مشروعة”، فقد احتكموا لـ”قانون الغابة”.
في المرة الثالثة، عندما حاول الجناة إعادة الكرة، كان المروجون قد نصبوا لهم كميناً محكماً؛ أسفر عن اعتقال اثنين منهم وفرار البقية مصابين. المروجون لم يكتفوا بالاحتجاز، بل فرضوا فدية 12 مليون سنتيم كتعويض عن الأموال المسروقة وغرامة مالية، بهدف جعل الضحيتين “عبرة” لكل من تسول له نفسه مهاجمة معاقلهم.
ولكن، حين تسرب الخبر إلى الخارج وبدأت جموع شباب الدواوير تتحرك لاقتحام الغابة وتحرير المحتجزين، أدرك الجناة أن “الصفقة انتهت”، فقرروا الانتقام بطريقة سادية شملت تعذيبهما وبتر ذراع أحدهما، قبل تصفيتهما بالرصاص والفرار نحو وجهات مجهولة.
تجسيداً لسرعة وفعالية التدخل الأمني، تمكنت عناصر المركز القضائي ببوزنيقة، بتعليمات صارمة من القائد الجهوي للدرك الملكي، من توقيف شخصين ينتميان لعصابة “الريفي” (أبرز تجار المخدرات بالمنطقة) للاشتباه في تورطهما المباشر في مقتل الشابين.
• الموقوف الأول: تم إسقاطه في دوار بضواحي المنصورية.
• الموقوف الثاني: تم توقيفه بمدينة المحمدية بعد عملية ترصد تقني وميداني دقيقة ومحكمة.
وقد جرى وضع المشتبه فيهما تحت تدبير الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة المختصة، في الوقت الذي تتواصل فيه الأبحاث والتحريات على قدم وساق لتوقيف باقي أفراد العصابة الإجرامية المفترسة.
4. أسئلة حارقة: كيف تحولت الغابة إلى “قلعة محصنة”؟
إن تفكيك خيوط هذه الجريمة يفتح الباب أمام أسئلة مصيرية تقلق راحة المواطنين وتتطلب تحقيقاً جدياً “من المهد إلى اللحد”:
• أغلب من أُلقي عليهم القبض في الغابة يظهر عليهم علامات الإدمان أو التشرد.. فمن هي “رؤوس الحربة” الحقيقية التي تملك الأسلحة النارية والتمويل الضخم؟
• كيف وصلت السيارات والدراجات النارية المحجوزة إلى قلب الغابة؟
• بأي طريقة دخلت معدات بناء الأكواخ الفخمة والمفروشات في وضح النهار؟ وكيف كان الزبائن المدمنون يلتحقون بالوكر على مرأى ومسمع من الجميع؟
• كيف تجرأ مواطنون شباب على اقتحام الغابة وحجز كميات ضخمة من المحظورات ووضعها أمام أعين السلطات صارخين بشعار “خدمتكم نديروها”؟
إننا أمام وضع يهدد ضياع شبابنا، وهو ليس بالقطع نقصاً في كفاءة الأجهزة الأمنية التي نكن لها كامل الثقة باعتبارها درع الوطن وحماة الشعب، بل يتطلب طوقاً أمنياً وقضائياً شاملاً يجتث هذه الظواهر من جذورها.
وفي سياق تغطيتنا المستمرة لهذه القضية التي شغلت الرأي العام الوطني والمحلي، وكما وعدناكم في مقال الأمس، فإن جريدة “ديسبريس تيفي” ستظل مواكبة لكل تطورات هذا الملف الحارق، وستوافيكم بكل جديد وموثق فور استجدائه من مصادره الرسمية والميدانية. ترقبوا تقاريرنا القادمة.



