أزمة الفعل السياسي: عندما يتحول “النضال” إلى تجارة موسمية في سوق الانتخابات

بوشعيب هارة11 سبتمبر 2026آخر تحديث :
أزمة الفعل السياسي: عندما يتحول “النضال” إلى تجارة موسمية في سوق الانتخابات

بقلم : بوشعيب هارة
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لعام 2026، يطفو إلى السطح مجددًا السجال القديم-الجديد حول مصداقية الفاعلين السياسيين وجدوى الخطابات المحمومة التي تُغرق الفضاء العمومي عشية كل اقتراع. وبينما تُسخَّر الإمكانيات واللوجستيك لحث المواطنين على المشاركة، تتزايد تحذيرات الفعاليات الحقوقية والأكاديمية من خطر تسلل “كائنات انتخابية” تسعى لاستغلال منطلقات النضال الشعبي والعمل النقابي لتحقيق مآرب شخصية ومصالح ضيقة.
​أولاً: النضال المبدئي بين تجريف المفاهيم ورهان التزكيات
​في أوقات السلم الاجتماعي، يتراجع منسوب المبادرة لدى فئات من المنتخبين، لكن بمجرد إعلان موعد الاستحقاقات الانتخابية، تتبدل المقاربات. يُظهِر البعض حرصًا مفاجئًا على تبني المظلوميات ودغدغة العواطف بعبارات ثورية حادة.
​إن هذا السلوك يُمثّل أحد أبرز التحديات الأخلاقية التي تطبع حملات 2026. فالغاية لم تعد الدفاع المبدئي عن القضايا المجتمعية أو تقديم إجابات عن انتظارات الشارع، بل البحث عن صفقات وتزكيات سريعة في سوق الترحال السياسي وتغيير الألوان الحزبية دون خجل أو مرجعية فكرية ثابتة.
​ثانيًا: المال السياسي وتحدي استعادة الثقة لدى الشارع
​شهدت الساحة السياسية مؤخرًا نقاشات حادة حول ظاهرة “عزوف الساكنة” واهتزاز الثقة في المؤسسات المنتخبة. ويعود جزء كبير من هذا الإحساس بالاستياء إلى التباين الشديد بين ما يُقال في المنصات الخطابية وما يُمارَس فعليًا عند كسب المقاعد وتوزيع الغنائم والمناصب.
• ​الركوب على الملفات الاجتماعية: تقاطع خطابات العطف الموسمية مع الاستغلال السياسي لمنجزات نضالات أطر التعليم، الاتحادات الطلابية، والتنظيمات العمالية والحقوقية.
• ​غياب البرامج الواقعية: غلبة المشاحنات والسباق نحو المواقع الفردية على حساب ابتكار برامج تنموية ناجعة تستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
​ثالثًا: مستجدات 2026.. بين التشديد التشريعي وآمال القطع مع الفساد
​في محاولة للحد من سلوكيات التكسب الانتخابي وسد الباب أمام استعمال المال المشبوه، حملت المنظومة التأطيرية لاقتراع 2026 ضوابط وقوانين زجرية أكثر صرامة، بهدف تجريد الخطاب السياسي من الانحرافات الأخلاقية والمزايدات الفضفاضة:
• ​الصرامة في الترشح: تفعيل الآليات القانونية لإبعاد كل من ارتبطت اسمائهم بشبهات فساد أو قضايا خرق أمانة المسؤولية الانتدابية.
• ​الشفافية المالية: وضع سقوف محددة لمصاريف الحملات وإلزامية تقديم كشوفات حسابية دقيقة لمعرفة مصادر التمويل وطرق صرفها.
• ​فسح المجال للمستقلين والشباب: إتاحة آليات جديدة تعطي للشباب والمبادرات المستقلة فرصة التنافس بعيدًا عن سطوة “أعيان الأحزاب” ومحتكري التزكيات.
​خلاصة القول، إن الاستحقاق الانتخابي لـ 2026 يشكل اختبارًا حقيقيًا للمجتمع والفاعلين السياسيين على حد سواء. فالقطع مع “التجارة النضالية” و”الترحال السياسي” يقتضي وعيًا واسعًا من الناخبين لفرز الصادقين عن المتسلقين، والانتقال من منطق “شراء الصوت بالكلمات النارية” إلى منطق “الالتزام المسؤول والعمل التنموي الميداني”.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.