يسير البلغيتي
فتحت التصريحات الأخيرة لوالي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، بشأن كلفة واستدامة برنامج “الدعم الاجتماعي المباشر”، باباً واسعاً للنقاش الاقتصادي والسياسي في المغرب حول قدرة المالية العمومية على مواصلة تمويل هذا الورش الاجتماعي على المدى البعيد، خصوصاً في ظل تباين المقاربات بين التحذيرات التقنية للمؤسسة النقدية والتوجهات السياسية للحكومة.
وكان الجواهري قد شدد على أن الدعم الاجتماعي المباشر لا يمكن أن يتحول إلى سياسة دائمة دون ربطه برؤية اقتصادية واجتماعية أكثر شمولاً، تقوم على خلق فرص الشغل وتحسين مداخيل الأسر وتعزيز قدرتها على تحقيق الاستقلال الاقتصادي.
ويأتي هذا الطرح في وقت تواصل فيه الحكومة تطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر وتوسيع برامجها، بينما يؤكد فوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، أن الدعم ليس غاية نهائية، بل ينبغي أن يواكب الأسر خلال مرحلة انتقالية تساعدها على تحسين وضعيتها والاندماج في النشاط الاقتصادي وسوق الشغل.
الحسابات المالية في مواجهة الطموحات الاجتماعية
يكشف هذا النقاش عن مسافة قائمة بين الحسابات التقنية للمالية العمومية والطموحات الاجتماعية والسياسية المرتبطة بتعزيز الدولة الاجتماعية.
من منظور المؤسسة النقدية، تطرح الكلفة المتزايدة لبرامج الدعم سؤالاً جوهرياً حول مصادر تمويلها على المدى الطويل، وحول قدرة الميزانية العامة على تحمل الالتزامات الاجتماعية المتواصلة دون التأثير في التوازنات المالية والاقتصادية للدولة.
أما من منظور الحكومة، فإن الدعم الاجتماعي المباشر يشكل أحد أبرز الأوراش الاجتماعية التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، مع توجه نحو تحسين الاستهداف وربط الحماية الاجتماعية بسياسات الإدماج الاقتصادي والتشغيل، بما يسمح بالانتقال تدريجياً من منطق الإعانة إلى منطق التمكين الاقتصادي.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الرفع من قيمة بعض أشكال الدعم أو توسيع نطاق الاستفادة منه، وبين اعتبار الدعم المالي المباشر مورداً دائماً للأسرة. فالمعطيات والتصريحات الرسمية الأخيرة تتجه نحو التأكيد على أن الهدف لا يتمثل في تكريس الاعتماد الدائم على الإعانات، وإنما في جعلها جزءاً من منظومة أوسع للحماية الاجتماعية والإدماج الاقتصادي.
المعادلة الصعبة: تمويل مستدام وعدالة اجتماعية
يبقى التحدي الأكبر أمام صناع القرار هو إيجاد التوازن بين هدفين متلازمين: ضمان الحماية الاجتماعية للفئات الهشة، والحفاظ في الوقت نفسه على استدامة المالية العمومية.
فالدولة مطالبة بتوفير الدعم للفئات المستحقة، لكنها مطالبة أيضاً بإيجاد مصادر تمويل مستدامة، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، وخلق فرص شغل قادرة على نقل الأسر تدريجياً من دائرة الحاجة إلى دائرة الاستقلال الاقتصادي.
وتزداد أهمية هذا التحدي في ظل اتساع قاعدة المستفيدين من البرنامج؛ إذ تجاوز عدد الأسر المستفيدة 3.9 ملايين أسرة في أبريل 2026، فيما تجاوز مجموع الإعانات المصروفة منذ انطلاق النظام في ديسمبر 2023 وحتى نهاية أبريل 2026 مبلغ 59 مليار درهم.
بين التحذير والالتزام
المسألة، في نهاية المطاف، لا تتعلق بالاختيار بين الدعم الاجتماعي أو الاستقرار المالي، وإنما بكيفية بناء نموذج يجمع بينهما. فالدعم، مهما كانت ضرورته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الدخل الناتج عن العمل والإنتاج والاستثمار.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام الحكومة لا يكمن فقط في الحفاظ على قيمة الإعانات أو زيادتها، بل في تحويل هذا الدعم إلى جسر نحو الإدماج الاقتصادي، عبر سياسات أكثر فعالية في التشغيل والتكوين وتحفيز الاستثمار ودعم الأنشطة المدرة للدخل.
فالشارع المغربي لا ينتظر فقط أرقاماً جديدة للدعم، وإنما ينتظر إجابات واضحة حول مستقبل هذه المنظومة، ومصادر تمويلها، ومدى قدرتها على الاستمرار، والأهم: هل ستنجح في معالجة جذور الهشاشة الاجتماعية أم ستظل مجرد آلية لتخفيف آثارها؟
وفي ظل هذا النقاش، يبدو أن ملف «الدعم الاجتماعي المباشر» يتحول تدريجياً إلى امتحان حقيقي للحكومة: امتحان في القدرة على الجمع بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي، وبين الوفاء بالالتزامات الاجتماعية وبناء اقتصاد قادر على تمويلها بشكل مستدام.
بين تحذيرات بنك المغرب والوعود السياسية: “ملف الدعم الاجتماعي المباشر” يضع الحكومة أمام امتحان الاستدامة والواقعية



