بوشعيب هارة
لم يعد الملف السياسي لمدينتي سبتة ومليلية مجرد قضية حدودية مجمّدة في أجندة غرب البحر الأبيض المتوسط، بل تحوّل في الآونة الأخيرة إلى موضوع نقاش استراتيجي واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية. فقد بدأت عدة تحليلات ومراكز تفكير في مدريد تكسر “الطابو” التاريخي المحيط بهذا الملف، متسائلة بصراحة عن مدى صمود النظرية القائلة بأن المدينتين محصنتان بالكامل وبأن فرض المغرب لسيادته عليهما أمرٌ مستحيل، وذلك في ظل تحولات جذرية طالت موازين القوة الإقليمية.
تحول العقيدة العسكرية وميزان القوة
إن المعادلة الميدانية التي سادت لعقود لم تعد هي نفسها اليوم؛ فالقوات المسلحة الملكية المغربية شهدت تحديثاً شاملاً في هياكلها وتجهيزاتها وتكتيكاتها. ولم يقتصر هذا التحول على تنويع مصادر التسليح وإدخال أنظمة دفاعية وهجومية متطورة—كأنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى، والطائرات المسيرة، وتكنولوجيا الحرب الإلكترونية—بل امتد ليشمل تعزيز الخبرة العملياتية من خلال المشاركة المستمرة في مناورات دولية كبرى مثل “الأسد الأفريقي”.
على المستوى العددي، تُشير التقديرات المتداولة إلى وجود نحو 400 ألف عسكري مغربي في الخدمة الفعالة مقابل حوالي 122 ألفاً في القوات المسلحة الإسبانية، إلى جانب فارق كبير في أعداد قوات الاحتياط. ورغم أن التفوق العددي لا يحسم وحده ناتج أي مواجهة عسكرية حديثة وتختلف طرق احتسابه حسب المصادر، إلا أنه يمنح المغرب عمقاً بشرياً واستراتيجياً يفرض نفسه كعنصر ردع أساسي في المنطقة.
هذا التطور جعل مراكز الفكر الإسبانية تعيد تقييم فرضية “المناعة المطلقة”، خاصة مع إدراك مدريد أن التغطية الأمنية للحلف الأطلسي (NATO) لسبتة ومليلية تظل محل تجاذب قانوني وسياسي؛ فالمدينتان تقعان خارج النطاق الجغرافي الصريح للمادة السادسة من معاهدة واشنطن، مما يجعل الاعتماد المباشر على مظلة الحلف أمراً غير مضمون تلقائياً.
الذاكرة الوطنية وأدوات “الضغط الناعم”
بالنسبة للمغرب، لا تُعتبر سبتة ومليلية مجرد نقطتين على الخريطة، بل هما مدينتان تتمتعان بمركزية خاصة في الذاكرة التاريخية والوجدانية الوطنية. ويستمر الخطاب الرسمي والشعبي في التعامل مع بقائهما تحت الإدارة الإسبانية كملف سيادي وتاريخي معلق لم يُغلق بعد.
وفي السنوات الأخيرة، برزت قدرة الرباط على توظيف أدوات الضغط غير العسكرية لإعادة إعادة رسم الواقع الاقتصادي للمدينتين. إذ أدى إغلاق المعابر الجمركية غير النظامية وإنهاء حركة “التهريب الملاحي” إلى وضع المدينتين تحت خنق اقتصادي هيكلي، وجعلهما أكثر اعتاداً على الدعم المالي المباشر من مدريد والاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، واصل المغرب تطوير المحيط الجغرافي عبر مشاريع بنية تحتية ضخمة—مثل “ميناء الناظور غرب المتوسط” وميناء طنجة المتوسط—بهدف خلق أقطاب اقتصادية منافسة تُغير التوازنات التجارية في المنطقة.
الحوار والترابط الاستراتيجي بدلاً من المواجهة
رغم هذا التحول في أدوات القوة، يحرص المغرب على الفصل الواضح بين التمسك بالحقوق الترابية وبين خيار التصعيد المسلح. فالاستراتيجية المغربية تعتمد على “النَفَس الطويل” والحلول السلمية؛ حيث يتطلع المغرب إلى حل هذا الملف عبر الحوار السياسي والتفاوض المتكافئ والضغط الدبلوماسي الذي يحفظ كرامة الطرفين ومصالحهما الحيوية.
ويأتي هذا الخيار السلمي في ظل واقع جغرافي واقتصادي يفرض الشراكة بين البلدين؛ فإسبانيا تعد الشريك التجاري الأول للمغرب، بينما يمثل المغرب ركيزة أساسية للأمن الإسباني والأوروبي في ملفات حيوية مثل مكافحة الهجرة غير النظامية، والترصد لشبكات الإرهاب، والتعاون الطاقي والعابر للحدود.
آفاق المستقبل
تؤكد المعطيات الراهنة أن ملف سبتة ومليلية يتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها “إعادة إدارته” وفق معطيات واقعية جديدة. فالرسالة الاستراتيجية الصادرة عن التحولات الأخيرة مفادها أن المغربي يمكنه بناء شراكة قائمة على الاحترام والجوار مع إسبانيا شعباً ودولة، وفي الوقت نفسه التمسك بالثوابت التاريخية والجغرافية لبلاده. ومع استمرار تغير موازين القوة وتعاظم الدور الإقليمي للمغرب، فإن الملفات التي كانت تُصنف سابقاً كـ “مستحيلة الطرح” قد تجد طريقها مستقبلاً إلى طاولة النقاش بمسؤولية وجدية تضمن استقرار منطقة غرب المتوسط.



