بقلم : بوشعيب هارة
في إطار رؤية شمولية لتحديث البنية التحتية وتطوير منظومة النقل المستدام، يتجه المكتب الوطني للسكك الحديدية بالمغرب نحو تنفيذ إحدى أكبر الصفقات في تاريخ السكك الحديدية بالمملكة، عبر اقتناء 168 قطاراً جديداً من الجيل الحديث، بالشراكة مع كبريات الشركات العالمية المجهزة لمعدات النقل السككي.
تأتي هذه الخطوة النوعية لتستجيب للنمو المتزايد على طلب التنقل بين المدن والمناطق الاقتصادية الكبرى، فضلاً عن كونها ركيزة أساسية ضمن استعدادات المملكة لاستضافة المواعيد الرياضية والدولية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030.
توزيع الصفقات: تنوع الخبرات لتلبية الاحتياجات
تتوزع الطلبية الجديدة بين ثلاث شركات دولية رائدة، بآلية تضمن تنويع الأسطول وتلبية الاحتياجات الميدانية المختلفة:
• شركة Alstom الفرنسية (18 قطاراً): تخصص لتعزيز وتوسعة أسطول القطارات فائقة السرعة “البراق”، مما سيساهم في استيعاب التوسع المرتقب لشبكة السرعة الفائقة بالمملكة.
• شركة CAF الإسبانية (40 قطاراً): تتولى توفير قطارات مخصصة للربط المباشر بين المدن، بهدف تحديث الخطوط الكلاسيكية وتطوير جودة الخدمات لركاب الفئات المتوسطة والطويلة المدى.
• شركة Hyundai Rotem الكورية الجنوبية (110 قطارات): تحوز النصيب الأكبر من الصفقة لتوفير قطارات جهوية سريعة وقطارات النقل الحضري السريع (TNR)، لتغطية شبكة الربط الإقليمي وضواحي المدن الكبرى.
أبعاد استراتيجية: أكثر من مجرد تحديث للأسطول
يتجاوز هذا المشروع الضخم حدود تجديد المعدات السككية ليرسم خريطة جديدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب عبر عدة محاور:
• توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا: تتضمن هذه الصفقات شروطاً تتعلق بالإدماج المحلي، حيث يُنتظر أن تسهم في نقل التكنولوجيا وبناء منظومة صناعية سككية محلية، مما يتيح خلق فرص شغل جديدة وتأهيل الكفاءات المغربية في مجالات الصيانة والتصنيع.
• فك العزلة وتعزيز التنافسية الجهوية: من خلال تخصيص الحصة الأكبر من القطارات للنقل الجهوي والحضري السريع، يسعى المغرب إلى تقريب المسافات بين المراكز الاقتصادية وضواحيها، مما يخفف الضغط المروري عن المدن الكبرى ويُنشط الحركة الاقتصادية في الجهات.
• الاستدامة والتحول الأخضر: تعتمد قطارات الجيل الجديد على تقنيات حديثة لتقليل البصمة الكربونية ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، بما يتماشى مع التزامات المملكة المناخية للتحول نحو وسائل نقل صديقة للبيئة.
خلاصة القول: تُشكل هذه الدفعة قفزة هيكلية ستعيد تشكيل خريطة النقل بالمغرب خلال السنوات المقبلة، مما يرسخ مكانة المملكة كمركز إقليمي يمتلك واحدة من أحدث شبكات السكك الحديدية في أفريقيا والمنطقة.



